تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مصير «حركة النهضة» بعد الغنوشي!

157
0
شارك :

تتالت الأصوات هذه الأيام منبّهة إلى أنّ ما يحصل داخل معبد الجماعة يوحي بالاختلاف، إن لم نقل بداية علامات الانشقاق بين أفراد الرعية الإخوانية. وتلك ظاهرة تعتبر جديدة في المشهد الإخواني التونسي، وتعتبر غريبة أيضا نظرا للظروف المثالية التي يمرّ بها الإخوان بتونس بينما حرم منها غيرهم في بلدان أخرى. ظروف مواتية للحكم بعد أن تربّعوا كرسيّه منذ تسع سنوات إمّا عن طريق الحكم بوجه مكشوف أو من خلال حجاب النداء ثمّ حزب تحيا تونس.

صحيح أنّ حركة الإخوان التونسية شهدت توتّرات لكنّها لم تكن بمثل هذه الحدّة التي نلاحظها هذه المرّة، ولعلّ ذلك يرجع إلى أنّ الجماعة منتشون بالفعل السحري للسلطة، وكلّ دواليب الدولة منقادة إليهم انقيادا والمقفل من الأبواب انخلع في وجوههم... لكن، نقولها بصراحة: إنّهم يعيشون هذه الأيام مرحلة عسيرة. مرحلة تصارع على السلطة وانقسامهم إلى طوائف كلّ واحدة منها تعمل جاهدة على أن تؤول إليها الكلمة الفصل. ونقول أيضا إنّ عوامل مستحدثة هي التي غذّت هذه الرغبات وولّدت في الكثير منهم هذه الجرأة في المطالبة بحقهم في الحلم بالسلطة والاستئثار بها.

هذه حالهم داخل معبدهم، ولم تكن تلك في سنة 2014 ولا حتى في 2011، بالرغم من الهشاشة الاقتصادية والسياسية التي كانت تمرّ بها البلاد، وإنّما كنّا نقف على تكريس لخطاب توافقي ينعم به الإخوان ويطلبون غيرهم من اليسار أو حتى الحداثيين أن يتذوّقوا عسيلته. وكثيرا ما قارب المحلّلون في تفسيرهم لهذه الوضعية الجديدة بآلية نتائج سبر الآراء وصعود اتجاهات هزّت من مكانة الإخوان في المجتمع التونسي... وأعتقد أنّ هذه المقاربة تبسّط حقيقة ما يجري حتى كأنّ سبر الآراء علم صحيح ولا يختلف فيه اثنان، وحتى كأنّ من قام بالسبر يحمل على الموضوعية والنزاهة.

لكن ماهي النقاط الأساسية التي دفعت بالإخوان إلى التصادم؟ وذلك حتى نقدر على الاستنتاج إن كان اختلافا حقيقيا أو مصطنعا:

ابتدع الإخوان لعبة، وهي في الحقيقة من صنع خبراء تعاقدت معهم النهضة حتى تبيّض المسودّ من حاضرها، وتبدو للناس الحزب المعتدل أو الوسطيّ القاطع مع المرجعية الدينية، ويبرهن للغرب وأمريكا على وجه الخصوص أنّه الضالة المنشودة التي يبحث عنها منذ أحداث سبتمبر 2001: حزب يؤسّس " للإسلام الديمقراطي" ينتقي من مبادئ حقوق الإنسان ما يضفي رونقا وأبّهة، وبالأخص يتكفّل بمتابعة التطرف والإرهاب ويبني له معتقلا ينمو فيه ويحقّق جميع رغباته الدموية في غير أرض أمريكا.

وفي الحقيقة لم تكن مهمة هؤلاء الخبراء بالسهلة في المجتمع التونسي، وذلك لصعوبة ترويضه من الإخوان، وإن كانوا وفّقوا في استيعاب السياسيين واستقطابهم بآليات تقليدية برهنت على أنّها صالحة رغم تغيّر الزمنة. وظلّ قسم كبير من هذا المجتمع على جموحه ورفضه للإخوان رغم التنازلات الكثيرة التي قدّمها الغنوشي في محاكاتهم والظهور في مظهر الحداثي المتنكّر في صمت لجذوره سواء من حيث اللباس أو من حيث طريقة اتصاله بالناس.

غير أنّ ما لم يكن متوقّعا هو أنّ المنتمين للمعبد انبهروا بما يسوّقه هؤلاء الخبراء، ويبدو كأنّهم يطّلعون لأوّل مرّة على مظاهر تُحمل على الحداثة وتعتبر في نظر المتطرّفين من قيادييهم بدعة وزيغا، وإذا بهم يعدلون عن أحكامهم بل ويتحوّلون إلى دعاة شرسين لهذه البدع. ولم يتوقّفوا عند حدّ الإعجاب بل ذهبوا إلى تبنّيها ولم لا الشروع في تطبيقها داخل معبدهم: فتخلّوا عن الشورى التي كان يرى زعيمهم أنّها لا تختلف في شيء عن الديمقراطية ليشرعوا في تطبيقها عن طريق تكريس الانتخابات التمهيدية في كافّة الخلايا الراجعة إليها بالنظر. هي لعبة بسيطة في أوّلها ولم تكن لتحدث شرخا في مبدإ الشورى. ولم تكن في البدء لتزعج رئيس المعبد سيما وأنّها ستزيد في تلميع صورته أمام الآخر الغريب وقد تربحه أشواطا مع هذا المجتمع الجامح.

ما لم يكن في الحسبان أنّ الاستناد إلى الانتخابات باعتباره عنصرا أساسيا من العناصر التي تقوم عليها الديمقراطية قد يبوح بحقائق كانت موؤدة وترزح تحت كلكل الشورى: فإذا بالمقرّبين في آخر الترتيب وإذا بالمؤلّفة قلوبهم قد ضاعوا في الذاكرة الإخوانية وإذا بالعصبة العشائرية قد تفكّكت وتناثرت عقودها.

صدمة عنيفة يعيشها أولو الأمر في المعبد، لأنّ الرعية تكلّمت بخلاف ما تربّت عليه… وحقيقة جافّة وقاسية لم يستطع الغنوشي قبولها وخيبة رجّت المقرّبين منه وقد تخيّلوا لوقت ليس بالهيّن أنّ سياستهم هي الأفضل والأسلم... فكان لزاما أن يعلن الغنوشي وجماعته عن انتهاء اللعبة وخاصّة التصريح بأنّها ليست سوى " عملية بيضاء" استخدمت للتجريب لا غير.

بلغ الإخوان حالا لا يحسدون عليها ولعلّ المثل الصدق الذي ينطبق عليهم هو القول" من أراد أن يغيّر لحية بلحية اشتاقهم الأثنين" ... ولعلّ في قصّة الغراب شبه كبير بين ما حدث له وما يحدث اليوم لجماعة المعبد: هي قصة الغراب الذي حاول أن يقلد الحمامة في مشيتها ففشل، وعندما اقتنع بفشله حاول أن يعود إلى مشيته الأصلية فلم يقدر لأنه نسيها، فصارت خطواته قفزا.

لذلك تجدنا أمام احتمالين لتفسير ما يمرّ به الإخوان:

  • إمّا أن يكون الإخوان ينظرون إلى الخارطة السياسية / الاجتماعية في تونس بعين خارجية، وغريبة عنّا؛ والسبب في ذلك، طبعا، يعود إلى رغبتهم في محاكاة أحزاب غربية ولا تحمل سمات الأحزاب العربية المعقّدة في تركيبتها، ولم تكن تلك رغبتهم في الحقيقة بقدر ماهي إملاء من طرف من تعاقدوا معهم حتى يطيروا بهذا الحزب إلى أعلى علّيين من الحداثة.
  • أو نظرا للانشقاقات التي نتجت عن هذه الرغبة " الحداثية" جدّا، وقد أحرقت جميع المراحل التي على التنظيم أن يمرّ بها حتى يضمن التصدّعات. ونحن في هذا السياق نقف عند مسألة نراها هامّة جدّا، ونلخّصها في الجملة التالية:

تخلّي لطفي زيتون العقل المدبّر عن الغنوشي/ أو العكس

فالسبب الرئيسي في ما تمرّ به النهضة هذه الشهر الأخيرة يرجع إلى الانسحاب الصامت والمفاجئ للطفي زيتون. وليس بالخفي ذلك الدور الذي لعبه زيتون منذ 2011 والمنهج الذي سطّره للغنوشي وضبطه، والحدود التي رسم حتى لا يتجاوزها... وليس بالخفي أيضا أنّ زيتون، ورغم هجرته إلى انقلترة واستقراره هناك ظلّ مرتبطا بتونس العميقة، تونس التي يمثّلها" ربط باب سويقة" الذي حافظ على الخصوصية التونسية في أدقّ جزئياته، وفي هذا السياق نعترف بأنّ الرجل كان صاحب دراية بعقلية التونسي وبالشخصية التونسية المركّبة.

لكن ماذا حدث في هذه السنة؟ يبدو أنّ الغنوشي بدأ ينفصل شيئا فشيئا عن صفّيه ومستشاره ليرتمي في أحضان أصهاره وأبنائه، أي " أهل البيت"، ونحن نعلم أنّ التنظيم الإسلامي يقوم على مبدإ القرابات والعروش، ولعلّ في ذلك صمّام أمان من الانسلاخ والخروج عن الطاعة... ولا ننسى أنّ الغنوشي طعن في السنّ، إضافة إلى ذلك أنّه لم يعد متاحا له الترشّح لرئاسة المعبد في المؤتمر الحادي عشر.

فالتدافع الذي شغف به الغنوشي صار محرّكا داخليا وفرض على الجماعة سيناريوهات مختلفة...من وقوع في معركة الخلافة وكيفية انتخاب قيادة، هل ستكون قيادة بالوجوه المستهلكة اليوم، وقد سئمت منها القواعد؟ أم بوجوه جديدة التحقت بالتنظيم بعد 2011، وهي بمثابة المؤلفة قلوبهم، ولا سيما منهم النساء الحاملات لوجهين، وجه يحاكي " السافرات" وآخر يحمل مبادئ الدونية التي ضبطتها مدوّناتهم الفقهية؟

باتت مسألة خروج الغنوشي من قيادة الحركة 2020 تؤرق أهل المعبر، وبصفة أخصّ أصحاب الولاءات.  وتحوّل هذا القلق إلى أزمة ثقيلة. وفي خضمّ هذه التجاذبات تأتي مواقف زيتون منذ فيفري 2019، من نقده لسياسة " الإسلام الديمقراطي" إلى مناداته بوجوب الاحتماء بحزام التوافق الذي يفرض على الإخوان التنازل والاتفاق مع اليسار على تركيبة المحكمة الدستورية".

هو مخاض عسير دفع بالنصحاء المقربين من الغنوشي إلى ابتداع مخارج متكلّفة أفقدت الحركة ذاك الانتظام والامتثال لرغبات الغنوشي قبل أوامره ... فكانت النتيجة الساطعة دخول التنظيم غياهب الانقسام والتوتّر.
وفي النهاية استقال زيتون في اللحظة الحاسمة من مهمّة المستشار السياسي، ولعلّ في رفع يديه عن هذه الوظيفة استعجل مصير حركة الإخوان ودفعهم إلى مواجهة واقعهم، ليدرك سكّان المعبد أنّ شيخهم لا يؤمن بالديمقراطية أصلا وأن رغبته تفرض مشيئتهم واختيارهم ... وأدركت الرعية أنّها محكومة بالولاءات ولا شيء غيرها، وانّ ما يوظّف إعلاميا ليس سوى رسالة إلى الخارج بينما هم فلهم قوانينهم الداخلية القائمة على التوريث والوصية بالخلف. لذلك أعلن الغنوشي عن ترشّحه للتشريعية، لأنّ من نصحه أشار عليه بمخرج آخر يضمن تواصل تحكّمه في مجلس الشورى القادم، وذلك إذا ضمن رئاسة مجلس النواب، وإن لم يكن له ذلك فسيمسك بكتلة النهضة في المجلس بيد من حديد، وهكذا يظلّ الغنوشي وأقاربه حاضرين في مواقع القرار الإخوانية وفاعلين أيضا...

ومع ذلك ظلّ الغنوشي يحنّ إلى ابنه الروحي، ولا سيما في أوقات الأزمات، ولعلّ في الرسائل التي ينشرها في المواقع الاجتماعية ما يفيد الناظر...

كلمة أخيرة: هل سينجح أصحاب الولاء في سياستهم الجدية أم سيكون زيتون منقذ الغنوشي ... من الضياع؟

ستجيبنا الأيام عن ذلك.

وسوم
شارك :

اترك تعليق

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.