تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«مشقة الأُخُوةْ»: حركة النهضة والتيارات السلفية

123
0
شارك :

أحمد نظيف*

في العام 2010، سئل راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، عن الشباب السلفي في تونس، وحركة الصحوة السلفية، التي نشأت وتطورت فيما كانت النهضة غائبةً في المنفى، فأجاب: «هؤلاء أبناؤنا. لو نظرت لهذا الجيل الجديد من الصحوة، وفركت تحت جلودهم لوجدت أن لأي واحد منهم قريباً نهضوياً، خالاً أو جداً أو عماً. فالصحوة الحالية في البلاد لا يمكن قطعها عن الحركة الإحيائية التي قادتها النهضة في الثمانينات، فالحركات لا تولد من عدم». (1)

لم يكن الغنوشي، هذه المرة بعيداً عن الصواب كثيراً. فالسلفية التونسية، بشتى مشاربها، ليست سواء اتجاهات تطور أكثر يمينة داخل حركة النهضة، التقت في لحظة تاريخية ما بروافد عقائدية جديدة، قادمة من الحجاز أساساً. ولو أسقطنا قانون الخيميائي العبقري الفرنسي، أنطوان دُو لافوازييه، الذي يؤكد بأن لا شيء يفنى أو يستحدث بل يتغير من شكل إلى شكل آخر، فإن تلك المجموعات السلفية الصغيرة، التي كانت تنشط ضمن حركة الاتجاه الإسلامي في الثمانينات، لم تنصهر، في الغالبية الإخوانية ولم تندثر، بل عاشت تحولات، في سياقات جديدة، وصلت بها إلى راهنها السلفي الواضح.

منذ نشأتها، أواخر ستينات القرن الماضي، في ثوب تنظمي سٌمي حينذاك بالجماعة الإسلامية، كانت الحركة الإسلامية التونسية أسيرةً لعلاقتها بالنظام في تفسير الأمور وتحليل الوقائع. متمترسةً خلف نافذة صغيرة ترى منها الثوابت والتحولات والعلاقات. وعلى الرغم من تجارب النقد الذاتي المحتشمة والقليلة في تاريخها، فإن علاقتها بالنظام قد طغت على مسار تفكيرها ووجهت تحليلها، وتالياً مواقفها، نحو وجهات لم تكن دائماً محل توفيق، بل إن بعضها أتى عليها بعظائم الأمور، سجناً وتشريداً ومنافي باردة.

ولم تنجح سنوات المنفى الطويلة وهاجع الخوف في تبديد هذه النظرة الضيقة، ولا ذلك التمترس خلف التحاليل والتقيمات الزائفة، القائمة على تحديد تناقض رئيسي مع النظام، دون الالتفات للتناقضات الثانوية. عادت الحركة إلى البلاد في أعقاب هروب بن علي، بنفس المنطق التحليلي، وجلت خلف النافذة نفسها لتراقب الأحداث وتحللها وتصدر المواقف. كما بلغت السلطة في أعقاب انتخابات 23 أكتوبر 2011، ولم يدفعها ذلك لمبارحة النافذة الضيقة نفسها.

يقوم التحليل النهضوي للأحداث في البلاد على أن «تناقضنا الرئيسي مع النظام». وكل ما هو قائم «مسؤولية النظام وسياساته ولو غيرنا هذه السياسة والتعاطي ستتغير الأمور نحو العكس». وكذلك الأمر في التعاطي مع المكونات السياسية. يمكن أن يكون هذا التحليل صائباً في التعاطي مع سياسات النظام العامة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسة الخارجية وغيرها، وحتى الأمنية، لكنه قطعاً سيكون زائفاً إذ ما قاربنا به مسألة التنظيمات «الفوق الوطنية الإقصائية» أي تلك التي تعارض النظام ليس من منطلق المطالب بالحريات العامة والسياسية والديمقراطية والتنمية والرفاه، بل تعارض الدولة، كل الدولة. نظاماً وجوهراً. تريد هدم القائم وإقامة كيان جديد، بتشريعات أخرى، يعود أحدثها إلى العصر الوسيط.

كانت حركة النهضة تنظر للظاهرة السلفية من زاوية علاقتها بالنظام السابق. فعلى الرغم من خروج بن علي من السلطة، فإن الحركة بقيت أسيرة لعلاقتها به كي تحدد مواقفها من الجماعات السلفية وبروزها اللافت منذ بداية الألفية وصولاً إلى حضورها الطاغي بعد 14 جانفي 2011.

علاقات تاريخية (2)

إن السرية التي طبعت تاريخ الحركة الإسلامية في تونس منذ نشأتها، تجعل من الصعب القبض على لحظة تأسيس التيار الجهادي. لكن المؤكد أن هذا التيار لم يتأسس دفعةً واحدةً في مكان محدد وزمان دقيق أو في مؤتمر معلوم، بل تشكل على مدى سنوات وفي خضم تجارب محلية ودولية، سياسية وفكرية، وصلت به اليوم إلى ما هو عليه في نسخته «الداعشية». لكن المؤكد أيضاً، أن التيار الجهادي لم يوجد في تونس، لا فكرياً ولا تنظيمياً، قبل ظهور تيار الإسلام السياسي بداية سبعينات القرن الماضي.

قبل ذلك وتحديداً في العام 1965، اكتشفت أجهزة الأمن المصرية محاولة إعادة بناء تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، على يد القيادي والمنظر الإسلامي، سيد قطب، فتم القبض عليه وإعدامه في 29 أوت/ أغسطس 1966.التقط الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، هذا الحدث الداخلي وسعى إلى استغلاله لتصفية حساباته السياسية مع عبد الناصر، الذي كان مسانداً لخصمه صالح بن يوسف ومعارضاً لرؤية بورقيبة لحل الصراع العربي الإسرائيلي. ونكاية به، أقام موكباً في أربعينية سيد قطب. كما شنت الصحافة التونسية حرباً على النظام الناصري، طيلة صائفة العام 1966، وكانت الوحيدة في العالم العربي التي نشرت تقريراً حقوقياً أصدرته منظمة العفو الدولية، وحرره ممثلها في القاهرة والذي كان حاضراً لوقائع محاكمة سيد قطب وسجل فيه إدانة منظمته للتعذيب الذي تعرض له المعتقلون، وفقاً لنص التقرير. وكانت جريدة العمل لسان، الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، تقود هذه الحملة وتتغذى على مقالات الشيخ، الفاضل بن عاشور، الذي كان متحمساً للقضية باندفاع كبير !! لم تنجح الحملة التونسية في منع النظام المصري من تنفيذ حكم المحكمة القاضي بإعدام سيد قطب ولكنها عملت بشكل غير مباشر، وبلا وعي من الدولة ولا القائمين على الصحف، في بث أفكار جماعة الإخوان المسلمين في تونس وكتب سيد قطب على وجه الخصوص، بكل ما تحمله من نزعات التكفير والمفاصلة وأفكار جاهلية المجتمع والحاكمية. فيما كانت الأجهزة الأمنية التونسية تلاحق كتب ماركس ولينين وماو وتحاكم كل من يتحوزُ على منشور «فوتوكوبي» لتنظيم العامل التونسي أو الشعلة ذوي التوجهات اليسارية الراديكالية. كان خرقاً كبيراً ستتجلى أثاره بعد سنوات.

ومع بداية السبعينات بدأت الحركة الإسلامية الإخوانية تنظم عناصرها الفتية في حلقات وأسر صغيرة حول جمعيات المحافظة على القران، التابعة للدولة، وفي بعض مساجد العاصمة وتنهل من مراجع الجماعة الأم في مصر وكتابات حسن البناء مؤسسها وسيد قطب وزعيم الجماعة الإسلامية الباكستانية أبي الأعلى المودودي في فترات لاحقة، والتي ينادي أغلبها بضرورة إقامة الدولة الإسلامية الحاكمة بالشريعة والصراع مع الطاغوت.

إذاً، كانت الحركة الإخوانية في نسختها الأولى، الجماعة الإسلامية، ولاحقاً حركة الاتجاه الإسلامي، المحضن الطبيعي للأفكار الجهادية ومن ثمة لنواة التيار الجهادي الأولى. وهذا شائع في أغلب المنطقة العربية، فقد كانت فروع جماعة الإخوان المسلمين في سورية وليبيا والجزائر والمغرب والجماعة الأم في مصر محضنناً لأغلب التنظيمات الجهادية التي برزت لاحقاً.

وعلى الرغم من الحركة أعلنت في بيانها التأسيسي، في جوان 1981، نبذ العنف واختارت النضال السياسي منهجاً لعملها، لكنها عملت وبشكل موازٍ على المُضي في منهجها الجهادي سبيلاً للوصول إلى السلطة، من خلال تكوين جهاز خاص مهمته العمل السري الأمني والعسكري الجهادي لإسقاط النظام وإقامة الدولة الإسلامية. فمنذ نشأتها فصلت الحركة عملها العلني والشعبي عن العمل السري وعملت على اختراق المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية وقد تعاظم هذا التنظيم السري داخل الجيش والأمن حتى حاول القيام بانقلاب عسكري للإطاحة بالرئيس الحبيب بورقيبة ونظامه وإنشاء «دولة إسلامية» في 8 نوفمبر 1987، إلا أن هذه المحاولة فشلت وكان بن علي الأسرع إلى السلطة والذي أفرج عن المجموعة التي خططت للانقلاب والتي عرفت آنذاك بالمجموعة الأمنية، وقد كشف القيادي الراحل في الحركة، منصف بن سالم، عن تفاصيل العملية والمشاركين فيها في العام 2003. (3)

ضمت الحركة الإسلامية منذ تأسيسها بداية السبعينات طيفاً واسعاً من المؤمنين بأن «الإسلام دين ودولة» على اختلاف توجهاتهم المذهبية والطائفية وتصوراتهم لــ «منهج التغير». فالحركة الإسلامية التونسية كانت خليطاً بين: مجموعة إخوانية تقليدية تتبع منهج جماعة الإخوان عقيدةً وسياسةً، بما فيها أفكار سيد قطب عن الحاكمية والجاهلية. ومجموعة سلفية صغيرة متأثرة بحركة المد السلفي الذي ظهرت بداية السبعينات في مصر والخليج على يد الشيخ ناصر الألباني والجمعية الشرعية المصرية ومجموعة إسلامية عقلانية انشقت أواخر السبعينات بقيادة صلاح الدين الجورشي وحميدة النيفر، وبعض العناصر ذات التوجه الصوفي ولاحقاً ظهر تيار شيعي داخل الحركة في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة أية الله الخوميني عرف بــ «خط الإمام». هذا المزيج جعل من الصعب على الحركة تحديد منهج التغير في مواجهة الدولة والمجتمع. لكن التيار الغالب فيها كان متأثراً بأفكار الجناح القطبي في جماعة الإخوان المسلمين القائل بــ «الحاكمية»، وتكفير الحُكام و«الجهاد ضدهم من أجل إقامة الدولة الإسلامية». (4)

ويشير راشد الغنوشي بوضوح إلى ذلك، في شرحه للعناصر الفكرية المكونة للحركة الإسلامية عند تأسيسها، مانحاً ما سماه بالـ «تدين السلفي الإخواني، الوارد من المشرق»، المكانة الأبرز، ويقول في هذا السياق : «إن هذا التدين بدوره تألف بين العناصر التالية : المنهجية السلفية التي تقوم على محاربة البدع في مجال العقائد ورفض التقليد المذهبي في المجال الفقهي والعودة في كل ذلك إلى الأصل: الكتاب والسنة وتجربة الخلفاء والأصحاب والتابعين ومحاربة الوسائط بين الخالق والمخلوق بتقديس الأضرحة ومحاربة الطرقية والبدع في الدين , وتقوم هذه المنهجية أساسا على أولوية النص المطلقة على العقل والفكر السياسي والاجتماعي الإخواني والقائم على تأكيد شمولية الإسلام ومبدأ حاكمية الله سبحانه مبدأ العدالة الاجتماعية. ومنهج تربوي يركز على التقوى والتوكل والذكر والجهاد والجماعية والاستعلاء الإيماني والإخوة والتقلل من الدنيا وتحري السنة حتى في الجزئيات، منهج فكري يضم الجانب العقائدي الأخلاقي على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية ويقيس الأوضاع والجماعات بمقياس عقيدي مما ينتهي معه الأمر إلى تقسيم الناس إلى أخوة وأعداء ويغلب جانب الرفض في تعامله مع الواقع والثقافات الأخرى وحتى مع المدارس الإسلامية فهو أحادي النظرة ويكاد يشكل منظومة مغلقة.» (5)

في الثمانينات بدأ التيار السلفي داخل الحركة الإسلامية يتمايز عنها شيئاً فشئياً. فقد بدأت رياح التيارات «الصحوية» (6) التي ظهرت في السعودية، تهب على تونس والمغرب العربي، وتجد لأفكارها الرواج. وخلال فترة «الانفتاح السياسي» التي قادها الوزير الأول محمد مزالي، في أعقاب عملية قفصة 1980، تمكن شيخ تونسي يسمى أحمد الأزرق (7) من الحصول على جواز سفر والرحيل إلى المملكة العربية السعودية، ليشغل منصباً في رابطة العالم الإسلامي في مدينة مكة، مكلفاً بملف «الجهاد الأفغاني»، الذي كانت سوقه حينذاك مزدهرة بدعم أمريكي وخليجي ومصري وحضور طاغي لمختلف الجماعات الإسلامية.

كان الشيخ الأزرق معارضاً شرساً لبورقيبة حتى قبل الاستقلال، ثم انضم لاحقاً للمعارضة اليوسفية. لكنه كان في نفس الوقت متبنياً لأفكار الإسلام السياسي منذ أربعينات القرن الماضي، متأثراً بأستاذه محي الدين القليبي، أحد رموز الحزب الدستوري القديم والصديق الحميم لحسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب. وقد كان الأزرق على علاقة وطيدة للجماعة الإسلامية (تحولت بعد 1981 إلى حركة الاتجاه الإسلامي) وداعماً لها وينشر في مجلتها المعرفة مقالات دينية وسياسية. (8)

من مقره في الحجاز، كان الأزرق منسقاً لعمليات نقل بعض الشباب التونسي نحو جبهات القتال الأفغانية، لكنه كان يحاول إقناع الأغلبية منهم بالبقاء في تونس والقتال ضد النظام البورقيبي الذي يحكم بغير ما أنزل الله، وقد نجح في إقناع مجموعة من الشباب في تأسيس تنظيم حمل اسم «ألوية الجهاد الإسلامي في تونس» وقاده ملازم في الجيش، يسمى الكيلاني الشواشي وأحد أعضاء حركة الاتجاه الإسلامي اسمه الحبيب الضاوي. وقد نجح التنظيم الوليد في تنفيذ عمليات تخريبية ضد مؤسسات الدولة في العام 1986، وهاجم مركزاً للبريد ومركزاً للشرطة، لكن السلطات ما لبثت أن سيطرت على الوضع وفككت المجموعة، وبحلول صيف العام نفسه مثل الشواشي والضاوي أمام المحكمة العسكرية التي أوقعت بهما حكم الإعدام في 10 جويلية 1986 ولم تمضي أشهر قليلة حتى قامت المملكة السعودية بتسليم الشيخ الأزرق.

كانت حركة الاتجاه الإسلامي تراقب الأحداث بصمت. كان مشروعها أكثر رصانة من المشروع السلفي غير المدروس والانفعالي، فقد كانت تحاول قياس موازين القوى، في اتجاه الاستفادة من أزمة النظام السياسية والاقتصادية. لكنها لم تكن تدين المشروع السلفي، بل تعتبره يصب في الاتجاه نفسه لعملها، لكنه يتعجل قطاف الثمار. فحركة مثلاً لم تكن ترى في توجه الشباب إلى الجبهة الأفغانية أية حرج، بل كانت داعماً لذلك. مع أنها كانت منشغلة في الصراع مع السلطة، ولم تكن تعطي أولوية لإرسال عناصرها إلى الساحة الأفغانية. لاحقاً ومع توتر العلاقة مع السلطة، بدأت الحركة في تسهيل خروج شبابها إلى «الجهاد» هرباً من الملاحقات الأمنية التي طالت بعضهم. كما ساعدت عناصر التيار الإسلامي الليبي، على الوصول إلى بيشاور. ففي مطلع العام 2013 كشف مقاتل سابق في الجماعة الليبية المقاتلة، «عن دعم تلقاه من زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، ولعدد من رفاقه وكيف سهل لهم عملية دخول أفغانستان للقتال بعدما فروا من قبضة معمر القذافي عام تسعة وثمانين. وأضاف ناصر الورفلي، إن القبضة الأمنية التي فرضها نظام القذافي على الجماعة المقاتلة، أجبرتهم على التوجه إلى تونس للقاء راشد الغنوشي، الذي يعتبرونه بمثابة الملهم والمنقذ، الذي أمن لهم المسكن والإقامة بعيداً عن أعين النظام آنذاك. وفي معرض حديثه، قال الورفلي، إن صعوبات واجهته ورفاقه في الحصول على التأشيرة اللازمة للسفر إلى باكستان ومنها إلى أفغانستان، حيث الوجهة المقصودة، مشيراً إلى أن وساطة الغنوشي مكنتهم من تأمين التأشيرات اللازمة من خارج تونس، حيث كان من المفترض أن يحصلوا عليها من بلدهم الأصلي ليبيا، وبعد حصولهم على التأشيرات دخلوا باكستان ومنها إلى ساحات القتال في أفغانستان». (9) بموازاة نشاط الشيخ الأزرق وتنظيم ألوية الجهاد، بدأ مجموعة من الشباب من ذوي التوجهات الإسلامية، بالابتعاد عن حركة الاتجاه الإسلامي والخط الإخواني السائد داخلها، نحو الخط السروري (10)، الذي يجمع بين عقائد السلفية الحجازية والأفكار الإخوانية القطبية.

في العام 1988 تأسست الجبهة الإسلامية التونسية (11)، كتنظيم سياسي سري يحمل أفكاراً سلفية حركية، تجمع بين العقيدة السلفية التقليدية والأفكار الإخوانية القطبية القائمة على الحاكمية والجهاد وتعمل من أجل إقامة الدولة الإسلامية. وكانت مقربة من الجبهة الإسلامية الجزائرية للإنقاذ. تولى مؤسسها، محمد علي حراث (12)، مسؤولية العلاقات الخارجية، مما مكن العديد من عناصرها من المغادرة إلى الجزائر ومن ثم إلى بيشاور في باكستان والالتحاق بمكتب خدمات المجاهدين، التابع لعبد الله عزام. ومن مؤسسي الجبهة الإسلامية التونسية أيضاً، السجين التونسي السابق في معتقل غوانتنامو، عبد الله الحاجي (13). كما استقطبت العديد من شباب حركة الاتجاه الإسلامي في الأوساط الطلابية والتلمذية، لعل أشهرهم، سيف الله بن حسين، الذي أصبح بعد سنوات زعيم التيار السلفي الجهادي في تونس ومؤسس الجماعة التونسية المقاتلة في جلال أباد.

نشطت الجبهة بشكل مكثف في تجنيد الشباب التونسي للقتال في أفغانستان والبوسنة وفي دعم الحركات الجهادية في الجزائر، خاصة الجيش الإسلامي للإنقاذ، ولاحقاً الجماعة الإسلامية المسلحة، بل إن عناصر تابعة للجبهة اشتركت في عملية نفذتها الجماعة المسلحة الجزائرية في شتاء العام 1995، واستهدفت مركز سندس الحدودي في منطقة الجريد بالجنوب الغربي التونسي أدت إلى مقتل سبعة عناصر من جهاز الحرس الوطني. (14)

كيف فسرت النهضة بواعث العنف؟

منذ بروز موجة العنف السلفي الجهادي في تونس، بداية من العام 2002، عندما هز انفجار قوي الكنيس اليهودي بجزيرة جربة، كانت حركة النهضة تنظر لهذا العنف من النافذة الضيقة لعلاقتها بالنظام والدولة. وتفسره بغياب الحريات الدينية والتعليم الديني في البلاد، وبما «جناه النظام على البلاد من طمس للهوية الإسلامية». ويقول راشد الغنوشي في هذا السياق: «اصطدم هؤلاء مع السلطة في وقت مبكر، وقاموا بعدة حوادث ووقائع، في تونس، أو جربة، أو سليمان، أو في الشمال الغربي، كما جرى الاعتداء على ثكنة للجيش من طرف جزائريين. ونحن كنّا نتابع هذه الأحداثَ من بعيد، وكنّا نشعر بالشماتة في نظام بن علي، ككلّ معارض يتفاءل بأيّ واقعة سيئة تصيب النظام المعادي له، ويحاول أن يوظفها لمصلحته. وفي الحقيقة، كنّا نريد أن نقول من وراء ذلك: انظروا ماذا حصل في غيابنا؟ كنتم تعالجون تدينًا سلمياً، حتى وإن كانت لديكم خلافات فكرية مع من يمثّلونه، فإذا بكم اليوم تواجهون تدينًا مسلَّحاً». (15)

كما يُعزز إسلاميو تونس هذا التفسير بالتأكيد على أن «غياب التعليم الديني التقليدي وإلغاء التعليم الزيتوني في أعقاب الاستقلال أدّيا إلى المزيد من توطيد عُرى الجماعات المتطرفة داخل المجتمع واحتكار المعرفة الدينية وتحويل وجهتها نحو غاياتها السياسية». ولكن هل ساهم وجود التعليم الديني التقليدي في جامع الأزهر المصري أو القرويين في المغرب أو الحلقات الدينية المنتشرة بكثافة في دول الخليج في منع أو تقليص تمدد الظهارة الجهادية؟ للأسف التجربة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً، فأغلب الدول التي تعتمد نظاماً تعليمياً مزدوجاً، نظامياً وشرعياً، هي الدول الأكثر تصديراً للجهاديين، ومجتمعاتها هي الأكثر احتضاناً للتيارات الجهادية. (16)

وخلال سنوات الألفيين كانت الحركة تراقب عن كثب المد السلفي العلمي والجهادي في تونس، واعتبرته صحوة إسلامية ثانية بعد الصحوة الأولى التي ظهرت مع الاتجاه الإسلامي. انتصرت على «خطط الاستئصال وتجفيف منابع الإسلام والهوية التي انتهجها النظام». حتى أن الشيخ راشد الغنوشي قد وجه في العام 2005 نداءً إلى «أبناء الصحوة الإسلامية» قال فيها: «أوجه تحية ود وكلمة نصح الى أبنائي الأحباب أبناء الصحوة الثانية المباركة أن ينصرفوا عن التفكير أنهم ينطلقون من أرض خالية بيضاء يستطيعون ان يغرسوا فيها ما شاءوا، وان اهلها ليسوا على شيء من الدين فقد انطلقنا نحن في الصحوة الأولى من منطلقات مشابهة ثم اكتشفنا بعد حوالي عقد من الزمان وقد خالطنا مشاكل الناس الحقيقية وبدأنا نطّلع على تراث البلاد الغني وتجربتها الإصلاحية الإسلامية الثريّة فاضطرنا ذلك الى التواضع والتفاعل مع مشاكل الناس وتراث البلاد الديني (...) ومع بعض الغبش تظل هذه الصحوة العارمة المباركة أهم النجوم الثاقبة البارقة في ليل تونس مبشرة بقرب انقشاعه إن شاء الله إذا هي بحثت عن استعادة الإجماع مجددا إلى بلد مزقت نخبته مذاهب التشدد العلماني وما أنبني عليها من مصالح فئوية لا تزال تعمل ليل نهار على توسيع الهوّة بينها وبين جماهير الناس. مطلوب من الصحوة أن تستعيد الى البلاد ونخبتها وجماهيرها الإجماع ولن يكون بحال إلا على كلمة سواء من الوسطية الإسلامية في التصوّر والاعتدال والتدرّج في التنزيل واستهداف جمع كلمة النخبة والجماهير حول مطالب مشتركة». (17)

فحركة النهضة كانت تعتبر التيار السلفي الطاغي حينذاك بين صفوف الشباب، إنما هو صحوة ثانية وامتداد للتيار الإسلامي الحركي، الذي ظهر في السبعينات والثمانينات، ينطلقان من أرضية إسلامية واحدة، ويريدان الوصول إلى وجهة إسلامية واحدة، وقد يختلفان في طريقهما إلى الهدف في الوسائل والتكتيكات. كما كانت تعتبر طفرات العنف التي ظهرت في ذلك الوقت والاعتقالات التي كانت تنفذها الأجهزة الأمنية ضد خلايا جهادية، إنما هي تعبير عن غضب هذا الشباب من الأوضاع القائمة وانعكاس لسياسة النظام في تغييب حرية التنظيم والتعبير والممارسة الدينية. فالحركة كانت تعتبر أن السبب الرئيسي لتمدد التيار الجهادي هو «الاستبداد والقمع الذي تمارسه الدولة على الأفراد والمجتمع، وما العمل الجهادي سوى رد فعل لعنف صنعته الدولة، وإن فتح باب الحريات وتمكين الديمقراطية سيقضي آلياً على الظاهرة الإرهابية».  وتحاول التغاضي عن جوهر ايدولوجية هذا التيار، القائمة على قناعات معاكسة تماماً لأفكار الحريات والديمقراطية، وأنها سواء كانت حاضرة في بيئة ديمقراطية أو استبدادية فإنها تعتبر الدولة القائمة «طائفة ممتنعة عن تحكيم الشريعة وبالتالي يجب قتالها حتى تفيئ إلى أمر الله». (18)

وحتى بعد رجوعها إلى البلاد في العام 2011، وصلت الحركة تفسير العنف السلفي بالقناعات نفسها، وعليها حددت علاقتها بهذا التيار. فالحركة كانت تعتقد بأن «غياب الحركات الإسلامية المعتدلة، الإخوانية تحديداً، ترك المجال واسعاً أمام بروز التيارات الجهادية المتطرفة»، وعلى هذا الأساس قدمت الحركة نفسها طرفاً قادراً على هزم الإرهاب للرأي العام الداخلي والقوى الخارجية. ومنذ سنوات انتبهت الدوائر البحثية الأمريكية إلى هذا التفصيل وخاصة مؤسسة «راند» (19) التي شجعت الإدارة الأمريكية على تمكين الجماعات الإسلامية المعتدلة –الإخوان– من السلطة لمواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة في إطار ما عُرف بسياسة «اضربوا هؤلاء بهؤلاء». فإلى وقت قريب كانت فكرة «أن الإسلام المتطرف هو المشكلة، وأن الإسلام المعتدل هو الحل» تلقى رواجاً واسعاً لدى الإدارة الأمريكية ومراكز الأبحاث الغربية. (20)

هذه المراكز البحثية التي كانت موزعة بين نظريتين في مقاربة علاقة الجماعات الإسلامية بالعنف. «فلطالما جادل الإسلاميون بأن إسلاميي التيار السائد – النهضة والإخوان – قد عملوا كجدار واقٍ ضد وجود المتطرفين الأكثر عنفاً. وتحدثت الحركة علناً عن أيديولوجية نبذ العنف والمشاركة الديمقراطية. وتنافست مع السلفيين على المجندين وعلى النفوذ الجماهيري، وأبقت أعضاءها ملتزمين بقوة داخل هياكلها المؤسسية. متميزة تقليدياً بهيكل تنظيمي محكم بقوة، بتسلل هرمي صارم، وقيادة وسيطرة بالغتي الفعالية. وكان انضباط الجماعة الداخلي عاملاً حاسماً وبالغ الأهمية في نجاحها الانتخابي وقدرتها على تجاوز نوبات قمع الدولة. فقد شكلت القدرة التنظيمية – للحركة -آلية رئيسية لخدمة نظرية جدار الحماية. فقد منحت ميزة التنظيم القوي القيادة القدرة على فرض قراراتها من الأعلى إلى الأسفل، وأن تمنع وقوع انشقاقات فصائلية كبيرة، وأن تمارس سيطرة محكمة على عضويتها. ولم يجد أولئك السلفيون الجهاديون الذين أغواهم تطرف تنظيم القاعدة مساحة لترويج تلك الأفكار أو لسحب المنظمة إلى اتجاه أكثر عنفاً. في المقابل يرى منتقدو الحركة ومعارضوها بأنها كانت مُيسِّراً للتطرف العنيف، ولم تكن تعمل كحاجز ضده وإنما كخطوة على طريق يفضي إلى التطرف. وهذا الراي يصب في نظرية "الحزام الناقل" التي تقول، حتى لو أن حركة النهضة نفسها لم تمارس العنف، فإنها وضعت الأفراد على الطريق إلى التطرف، بحيث زادت بذلك الحجم الصافي للإرهابيين المحتملين». (21)

سياسة مدّ اليد إلى السلفيين

قبل وصولها إلى السلطة واجهت حركة النهضة، كما واجه بقية الفرقاء في الساحة السياسية التونسية، قضية العفو التشريعي العام والجدل الذي رافقه عندما اعتبر الذين سجنوا خلال عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي في قضايا تتعلق بالإرهاب والانتماء للتيارات السلفية والجهادي، سجناء سياسيون كغيرهم من معتقلي الرأي والتنظيمات السياسية، ويشير مرسوم العفو التشريعي العام الذي صدر في فيفري/ فبراير 2011 في فصله الثاني إلى أنه ينتفع بالعفو العام كل من حكم عليه أو كان محل تتبع قضائي لدى المحاكم على اختلاف درجاتها وأصنافها، قبل 14 جانفي 2011 من أجل جرائم متعددة من بينها «خرق أحكام القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال وذلك فيما يتعلق منه بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب». وكان موقف النهضة مسانداً لذلك. ويقول راشد الغنوشي مستذكراً ذلك الموقف: «كان موقفنا مع الآخرين الذين طالبوا بإفراغ السجون من كلّ من اعتُقِل أو حُوكم بسبب شبهة سياسية. وحقيقة، لم نكن معارضين ذلك؛ فلم يكن لنا سابق معرفة بأدبيات هؤلاء، فالحركات الإسلامية لم تنشأ لمواجهة طرف إسلامي، بل لمواجهة الماركسية والتطرف العلماني، وكانت هذه الحركات تثقف الناس لمواجهة الخصم العلماني الذي يهمّش التدين ولا يحميه». (22)

بعد بلوغها السلطة أفسحت النهضة أمام الحركات المحافِظة الأكثر سلفية للانضمام إلى الساحة السياسية. وقد شجّعت المجموعات السلفية على نبذ العنف، وتنظيم الأحزاب، والالتحاق بالعملية السياسية، وذلك في اختلاف جذري عن موقف الحكومة الانتقالية التي حجبت التراخيص عن الأحزاب السلفية، وشكّكت في التزامها بالمبادئ الديمقراطية. أما أعضاء النهضة ونشطاؤها فكانوا متفائلين بأنه من شأن إشراك السلفيين في عملية الأخذ والرد في السياسة الديمقراطية أن يدفع بهم نحو التخفيف من حدّة مواقفهم المتشدّدة وتبنّي آراء أكثر اعتدالاً. (23)

وقد عملت الحركة على ثلاث واجهات في التعامل مع التيار السلفي بفروعه الثلاث:

التوجه الأول، كان لاستقطاب التيار السلفي العلمي، الذي كان زاهداً في السياسة، لكنه كان يعطي مواقف منها ومن الفاعلين فيها. ويمثله عدد من الشيوخ والدعاة، الذين يتبنون الخطاب السلفي التقليدي الوهابي المتأثر بالمدرسة السعودية، ومنهم بشير بن حسن وجهاد المرزوقي ومختار الجبالي، وإن كان الأخير أكثر تسيساً وانخراطاً في النشاط العام. وقد تم هذا الاستقطاب من خلال منح المنابر الرسمية لهؤلاء والمساجد وتأسيس الجمعيات وبعض الجمعيات التعليمية القرآنية والفقهية. وقد نجحت سياسة حركة النهضة في استمالة هذا التيار بشكل واضح، فقد كان هؤلاء الشيوخ يتصدون لخصوم الحركة من القوى العلمانية ويستعلمون سلطتهم الأدبية على الناس من خلال موقعهم الديني في توجيه الرأي العام نحو النهضة وصرفه عن خصومها، خاصة مع تزايد الاستقطاب «الهووي» في 2011 و2012. وصدر خلال تلك الفترة فتاوي وتوجيهات عديدة من هذا التيار في ضرورة المشاركة السياسية لصالح حركة النهضة بوصفها «رافعة للمشروع الإسلامي في مواجهة المشروع العلماني الكافر». على الرغم من القطيعة التاريخية بين السلفية العلمية والعمل السياسي والحزبي والمشاركة الانتخابية.

التوجه الثاني، كان نحو كسب السلفية الحركية، التي تتبنى المنهج سلفي عقدياً، لكنها تؤمن أيضاً بالعمل السياسي. ويمثل من تبقى من الجبهة الإسلامية ونشطاء جدد ظهروا على الساحة خلال سنوات الألفيين بعد بروز المد السلفي، متأثرين بالتيار السروري، وبعضهم كان مقيماً في الخارج. فقد رأى عدد كبير من أعضاء النهضة أن التشدّد السلفي هو من نِتاج القمع الذي انتهجه نظام بن علي، وأنه عندما يحصل السلفيون على فسحة للتنفيس عن مظالمهم، سوف يدركون منافع الانخراط في العملية السياسية. وقد مهّد التحرير السياسي الذي انتهجته النهضة، الطريق أمام تأسيس العديد من الأحزاب السلفية والإسلامية وحصولها على الاعتراف الرسمي. (24)

في العام 2012 تأسس حزب جبهة الإصلاح، وهو امتداد للجبهة الإسلامية التونسية ويترأسه محمد خوجة، ويقدم نفسه بأنه «حزب سياسي أساسه الإسلام ومرجعه في الإصلاح القرآن والسنة بفهم سلف الأمة». ويضع الحزب مسألة تطبيق الشريعة على رأس أولوياته، كما يرفض العديد من الفصول في مجلة الأحوال الشخصية التي أقرّها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بعد الاستقلال، ومنحت المرأة حقوقاً واسعة. إلى جبهة الإصلاح، يوجد حزبان سلفيان هما حزب الرحمة الذي حصل على رخصة العمل القانوني في يوليو 2012 ويترأسه الشيخ سعيد الجزيري، ويعرّف نفسه بأنه «حزب سياسي وطني إسلامي أساسه الرحمة والمودة والعدل والمساواة بين جميع أفراد الشعب»، ويشير إلى أن الحزب «مبني أساساً على شريعة الله ورسوله»، وحزب الأصالة الذي حصل على رخصة العمل القانوني في مارس 2012 ويترأسه الشيخ مولدي عليّ المجاهد، ويقدم نفسه كـ «حزب سياسي، مرجعه إسلامي، خطابه إسلامي ومشروعه إسلامي لا يتنافى مع المدنية». (25)

لكن هذا الكسب لم يحقق الكثير من المنافع لحركة النهضة، لأن هذه الأحزاب السياسية السلفية كانت عاجزة عن استقطاب دعم كبير. فقد خلص استطلاع أجراه المعهد الجمهوري الدولي في العام 2012، إلى أن جميع الأحزاب السلفية في تونس تفتقر إلى الدعم. فعلى سبيل المثال، يسيطر على القيادة في جبهة الإصلاح ناشطون متقدّمون في السنّ أمضوا الجزء الأكبر من العقدَين الماضيين في المنفى، ما يحدّ من روابطهم مع القاعدة الشبابية في الداخل. وبالنسبة إلى عدد كبير من النشطاء السلفيين الشباب، تتعارض فكرة الأحزاب السياسية في ذاتها مع قيَم الوحدة التي تنادي بها العقيدة السلفية. (26)

كما أن هذه الأحزاب كانت قمماً بلا قواعد. لا تملك قاعدة جماهيرية شعبية من شأنها أن تكون رافداً للنهضة في معاركها مع الخصوم سياسياً وانتخابياً. فقد شاركت الأحزاب السلفية في المحطة الانتخابية للعام 2014. وتقدّم حزب جبهة الإصلاح بمرشحين في 23 دائرة انتخابية ضمن لوائح تحمل شعار «الشعب يريد»، في إطار ائتلاف مع حزب الاستقلال الوطني. والعمل الائتلافي مع أحزاب من مرجعيات أخرى يعتبر في ذاته تطوراً جذرياً في تفكير الحزب. في المقابل، لم يتمكّن حزب الأصالة من تشكيل أكثر من أربعة لوائح في مناطق، قابس ومدنين وتطاوين، وهي مدن تقع في الجنوب الذي يعتبر خزاناً انتخابياً تقليدياً للتيار الإسلامي في البلاد. (27)

أما التوجه الثالث، والذي مثل التحدي الأكبر لحركة النهضة خلال فترة حكمها القصيرة، هو محاول إيجاد سبل للتفاهم مع التيار السلفي الجهادي. إذ يصف الغنوشي بعد خروج حركة النهضة من السلطة، السلفيين بأنهم «النازلة الكبرى»، التي حلت بالحركة خلال حكمها. منذ العام 2011 حاولت الحركة ربط الصلات بالقيادات الجهادية التي غادرت السجن، وكان لافتاً حضور القيادي الصادق شورو في المؤتمر التأسيسي لجماعة أنصار الشريعة في 21 ماي 2011 في أحد الملاعب الرياضية بضاحية سكرة شمال العاصمة تونس. وبعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 لم تقطع الحركة صلاتها بالتنظيم الجهادي، بل عمقت العلاقات معه أكثر من أجل محاولة استمالته إلى صفها. إذ كانت تدرك جيداً أن الغالبية العظمى من شباب التيار السلفي يميلون إلى مجموعة أنصار الشريعة بقيادة سيف الله بن حسين (أبو عياض) ومجموعة الشيخ الخطيب الإدريسي(28)، وكانت المجموعتان على تواصل وتنسيق وتفاهم كبير حتى منتصف العام 2012.

ويروي محمد العوادي، أمير الجناح العسكري لتنظيم أنصار الشريعة، في إفادته أمام القضاء، حيثيات ووقائع نشأت التنظيم قائلاً: «التقى سيف الله بن حسين مع الخطيب الإدريسي وتدارسا فيما بينهما موضوع إقامة تنظيم يلم شمل المنتمين إلى التيار السلفي إلا أن الإدريسي عارض الفكرة واعتبر عزل المنتمين إلى التيار السلفي في حزب أو جماعة لا يخدم مصلحة التيار. في حين أصر سيف الله بن حسين على فكرته وقام على إثر عودته من الاجتماع بعقد ملتقى بجهة سكرة وجه فيه دعوة مفتوحة إلى الشباب المنتمي إلى التيار السلفي بصفة عامة. وتمخض عن ذلك اللقاء الذي حضرته، تأسيس تنظيم يجمع شباب التيار السلفي، تحت اسم أنصار الشريعة بتونس. وتم اختيار هذه التسمية بدلا عن تسمية تنظيم القاعدة في تونس تفادياً لكلمة القاعدة التي لها وقع سيء على المشاركين. ويهدف هذا التنظيم إلى إقامة دولة إسلامية بتونس وتحكيم شرع الله. وتزعم التنظيم سيف الله بن حسين (أبو عياض) بمساعدة كل من حسن القندوز ورضا السبتاوي ومهدي كمون وشخصين آخرين يدعيان نزار وأنيس أصيلي جهة أريانة. وتم تكليف عفيف العموري بالجناح الإعلامي، وهشام السعدي بالجناح الدعوي وأحمد العكرمي بالجناح الاجتماعي. وكانت جل اللقاءات التأسيسية بالتنظيم تعقد بمنزل أبو عياض بحمام الأنف. وقد تم تكريس جل العمل بتلك الفترة للقيام بالأعمال الدعوية والخيمات وعقد الملتقيات والدروس الدينية وإنجاز الخيمات الدعوية بمدن مختلفة من البلاد. وتم التركيز حينها على الأحياء الشعبية والفئة الشبابية في حين كان شق من التنظيم منه رضا السبتاوي وأبو بكر الحكيم وأحمد الرويسي وعادل السعيدي، يلح على إنشاء جناح عسكري للتنظيم من باب إعداد العدة لأي خطر داهم، وتحسبا لأي عمل عسكري يعتزم التنظيم القيام به. وحينها قرر سيف الله بن حسين إنشاء الجناح العسكري لتنظيم أنصار الشريعة بتونس والذي تزعمه رضا السبتاوي كما كلف أحمد الرويسي (أبو زكريا) بالتنسيق مع الكتائب الليبية الإسلامية بدرنة وبني وليد، والذي سبق له وإن قام بالقتال إلى جانبهم في الحرب ضد النظام الليبي السابق قصد قبول شباب تابع لتنظيم أنصار الشريعة بمعسكرات درنة وتدريبهم هناك». (29)

خلال هذه الفترة عقدت قيادة حركة النهضة أكثر من اجتماع مع قيادة جماعة أنصار الشريعة. كانت النهضة تريد إقناع التنظيم الجهادي بمزيد من الصبر، لأن المرحلة تتطلب «توحيد الجهود ضد جيوب النظام السابق والقوى العلمانية ودعم المعارك التي تخوضها القوى الإسلامية في مناطق أخرى من العالم العربي في موجة الثورات، وتأجيل معارك الشريعة والهوية والسرديات الكبرى إلى فترة لاحقة تكون فيها الأوضاع المحلية والدولية أكثر نضجاً». ويقول الغنوشي في هذا السياق: «بدأنا نثقف الناس، ليدركوا حجم المخاطر التي تواجه بلدنا. وقد حاولنا، في البداية، الحوارَ مع هؤلاء السلفيين، وعملنا على إغرائه بالعمل السياسي، مثل المشاركة في الانتخابات، وإعادة بناء المنظومة السياسية، والتخلص من بقايا حطام النظام السياسي السابق». (30)

لم تقتنع القوى السلفية الجهادية بمسألة العمل السياسي، لكنها في نفس الوقت لم تقطع حبل الوصل مع حركة النهضة واعتبرت وصولها إلى الحكم غنيمة يجب أن تستغلها في تنظيم صفوفها والاستعداد للمستقبل على كل المستويات. لكن هذا الاستعداد السري ما لبث أن كشفته عملية بئر علي بن خليفة في فبراير/ فيفري 2012، عندما دخلت قوات الأمن في مواجهات مسلحة مع خلية جهادية في بلدة بئر علي بن خليفة في ولاية صفاقس. وقد كشف حينها عليّ العريض، وزير الداخلية، والقيادي في حركة النهضة، أن «التحقيقات اشارت إلى أن الموقوفين في تلك العملية من التيار السلفي الجهادي مرتبطون بالقاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وكانوا ينوون تخزين السلاح بغرض استعماله في مرحلة ثانية من أجل تحقيق امارة اسلامية في تونس». (31)

وعلى الرغم من خطورة من العملية، فإنها لم تؤثر على علاقة الجهاديين مع حركة النهضة بشكل جذري. فقد حافظ قادة جماعة أنصار الشريعة على علاقات وطيدة مع قيادات داخل النهضة، مع أن علاقتهم بالجناح الحكومي، كالجبالي والعريض وغيرهم من ممثلي الحركة في السلطة التنفيذية، قد توترت بعض الشيء، فالجماعة كانت تكفّر الحكومة، لكنها كانت تفرق بينها وبين الحركة، وقد سارع راشد الغنوشي للقاء بسيف الله بن حسين (أبو عياض) لرأب الصدع الذي وقع. لكن العملية قد ألقت بظلالها على البيت الداخلي للتيار السلفي، الذي بدأ يشهد فتوراً في العلاقة بين تنظيم أنصار الشريعة ومجموعة الخطيب الإدريسي، باعتباره المرجعية التاريخية والشرعية للتيار.

كان الشيخ الخطيب الإدريسي كان رافضاً منذ البداية لفكرة التنظيم، انطلاقاً من تكوينه العقدي السلفي التقليدي الرافض لفكرة التحزب والتنظم، باعتبارها متعارضة في جوهرها مع قيَم وحدة الأمة التي تنادي بها العقيدة السلفية. فيما كان أبو عياض متحمساً لفكرة التنظيم، لأن قادم من تجارب إسلامية حركية، في الاتجاه الإسلامي والجماعة التونسية المقاتلة ومتأثراً بأفكار التيار الجهادي المعاصر، التي تعتبر التنظيم، الأداة الجهادية للتمكين. وهنا يشير القيادي في تنظيم أنصار الشريعة، عادل حمدي، في إفادته أمام القضاء إلى بداية الخلاف بين أبو عياض والإدريسي: «اقترح أبو عياض تأسيس تنظيم أنصار الشريعة وعقد اجتماعاً بمدينة سوسة، بمنزل أدم بوقديدة، للحديث عن التنظيم، وبالفعل، وبعد حوالي ثلاثة أيام تحولت رفقة أبو عياض على متن سيارة تكفل بجلبها عادل السعيدي وبرفقتهم محمد العوادي، شُهر الطويل، إلى منزل أدم بوقديدة، أين حضر معهم الشيخ الخطيب الإدريسي ومجموعة من الأشخاص من أتباعه، أصيلي سيدي بوزيد، وبعض العناصر من مدينة سوسة والتحق بهم نور الدين قندوز ورضا السبتاوي، أين تم التطرق لموضوع إنشاء تنظيم أنصار الشريعة بتونس وحصل خلاف بين الخطيب الإدريسي وأبو عياض حول التسمية وانشق أبو عياض عن المجموعة وبدأ العمل الدعوي للتنظيم وإقامة الخيمات الدعوية والقافلات الخيرية وخلال أواخر شهر أوت 2011 عقد اجتماع بمنزل أبو عياض أين بايعوا سيف الله بن حسين على السمع والطاعة وحضر كل من الشاذلي العدواني وحسين الخليفي ولطفي الزين ومحمد العوادي وكمال القضقاضي ومحمد الناصر الدريدي وأبو بكر الحكيم».(32)

نجحت حركة النهضة، وإلى حد كبير، في كسب الشيخ الخطيب الإدريسي ومجموعته إلى صفها. كان الإدريسي أول من أطلق شعار أن تونس أرض دعوة وليست أرض جهاد. وكان التنظيم أنصار الشريعة يتماهى مع هذا الشعار في العلن، ويحاول لفت الأنظار بالعمل الاجتماعي، لكنه كان مدركاً أن هذا الشعار لا يمثل إلا مرحلة وقتية، ستنتهي قريباً وأن المعركة قادمة لا ريب فيها. وفي مقابل العمل الاجتماعي والدعوي العلني كان التنظيم يسابق الزمن استعداداً للقادم، ويراكم السلاح، ويحاول ربط فروعه بقيادة مركزية صلبة وتنسيق نشاطه مع نظيره الليبي والتنظيم الأم في جبال الغرب الجزائري.

وخلال تلك الفترة عقد التنظيم مؤتمره الثاني، في 20 ماي 2012 في مدينة القيروان في أكناف جامع عقبة بن نافع، وجمع إليه ألاف المشاركين، من التيار السلفي الجهادي ومن قادة وزعماء الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الأخرى وبحضور قيادات من حركة النهضة، استعرض التنظيم قوته الشعبية والقتالية أيضاً من خلال عروض قتالية قدمها شبابه على أنغام الأناشيد الجهادية والشعارات التمجيدية لزعيم القاعدة أسامة بن لادن. وخلال وقائع المؤتمر، ألقى أبو عياض خطاباً دعا فيه «لإنشاء نقابات عمال إسلامية، وإلى السياحة الحلال، وإصلاح النظام المالي إضافة إلى الصحة والتعليم» (33). بدت هذه الدعوة يومها لافتةً، فالتنظيم الجهادي بدى أكثر تسيساً، فأبو عياض وعلى وقع الأزمة الخانقة بين حركة النهضة والاتحاد العام التونسي للشغل توجه نحو اقتراح إنشاء نقابة عمالية إسلامية وفي أتون الصراع بين القوى العلمانية والديمقراطية وحركة النهضة حاول استمالة النهضة وقواعدها بمقترحات عملية تكرس مزيداً من أسلمة الدولة والمجتمع. وقد لقيت هذه الدعوات صدى كبيراً لدى قطاعات واسعة من قواعد حركة النهضة والأهم لدى جناح من أجنحة الحركة القيادية، الذين اعتبروا أن فتح المجال لهذا التيار للمشاركة في الشأن العام وإتاحة مزيداً من المساحات له سيجعله يتجه إلى الاعتدال أكثر فأكثر، الأمر الذي أطال أمد سياسية الحركة وحكومتها في مد اليد للسلفيين. كانت النهضة تلاحق الأوهام، عندما أقنعت نفسها بأن هؤلاء الجهاديين، يمكنوا أن يقبلوا بشكل الدولة القائمة وجوهرها، وكان وعيها الزائف بطبيعة هؤلاء، يجعلها تربط سببياً بين المشاركة والاعتدال دون النظر إلى بقية الصورة وأضلاعها أو النفاذ إلى عمق المسألة. كان أبو عياض ببساطة، يريد إطالة أمد فترة الراحة والاستعداد.

لكن فترة الاستعداد هذه، لم تخلو من المشاكل والصراعات الصغيرة. فقد شكل اعتصام الطلبة السفيين في جامعة منوبة (نوفمبر 2011 أفريل 2112) وحادثة العبدلية (جوان 2012)، بداية التوتر مع حركة النهضة. لكن العلاقة لم تصل بينهم إلى حد القطيعة، بل إن الحركة وإلى ذلك التاريخ كان تحاول إيجاد الأعذار والمبررات لهؤلاء، الأمر الذي حدا بالشيخ راشد الغنوشي إلى اعتبار هذه الحوادث سلسلة من المؤامرات نفذها السلفيون لكن من خطط لها أطراف لم يذكرها. مصرحاً في مقابلة تلفزيونية في أفريل 2012 بأن: «هناك بعض الأطراف السياسية تحاول دفع أبناء التيار السلفي لمواجهة حركة النهضة فتجار الحروب، يعتقدون أنه بمجرد دفع السلفيين الى مواجهة حركة النهضة سيتم القضاء عليها وافشال المشاريع الحكومية، لذلك فهم يحاولون صنع المشاكل الوهمية بدل عن المعارك التنموية والاقتصادية الأصلية» (34). وفي ندوة صحافية عقدها في أعقاب أحداث العبدلية، كان الغنوشي أكثر وضوحاً في هذا السياق، عندما رفض قمع المتشددين الدينيين بعد أحداث العنف التي جدت في مختلف ولايات البلاد، موجهاً أصابع الاتهام إلى «أزلام النظام السابق وفلول التجمع وخريجي السجون والخارجين عن القانون»، قائلاً: «إنهم يخاطرون بأنفسهم بان تمتلئ بهم السجون». ولعل هذا التفسير المؤامراتي لدوافع العنف السلفي بقي مسيطراً على عقل الحركة الإسلامية طيلة وجودها في السلطة، وهو التفسير ذاته الذي سوقته الحركة وقواعدها في أعقاب اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

يقول العقيد سليم برناوي، القيادي في وحدات التدخل في الحرس الوطني، مستعيدًا أحداث تلك الفترة: «لم يكن هناك أي خطة واضحة للتعامل مع الجماعات السلفية على الميدان. كنا نتعامل مع الأحداث حالةً بحالةً. وكانت التعليمات التي تصلنا من رؤسائنا ومن الوزير، تقضي بأن نؤطر هذه التحركات التي تقوم بها هذه الجماعات دون أن نتدخل فيها حتى وإن كان مضمونها فيه تحريض أو دعوة للعنف. وفي حالات كثيرة كانت الانتهاكات تحدث ولا نستطيع التدخل لأن التعليمات لم تكن تصل إلينا أبداً. لم يكن هناك أي ربط أو تنسيق بين القيادة العليا والقيادات الميدانية. كل ما حدث، كان عبارة عن اجتهادات. وكانت قوات الأمن سلبيةً في تعاملها مع هذه الجماعات لأنها لم تكن تملك أي خطة ولا تعليمات واضحة. كنا نستغرب من ترك هؤلاء يعملون ويتحركون كما يشاؤون. كان تحليلي الخاص في ذلك الوقت، أن مؤسسات الدولة والأشخاص الجدد على رأس وزارة الداخلية، موافقون على هذا التوجه لخلق قوة ميدانية لاستعمالها. فالدولة كانت تملك كل الإمكانيات للقضاء على هذه الظاهرة قبل توسعها وتعاظمها». (35)

تحول السلفيون إلى ثقل كبير، تئن بحمله النهضة، وحرجاً أمام الداخل والخارج بالنسبة لها. فعلى الرغم من المحاولات التي بذلتها النهضة لفتح حوار مع التيار السلفي، ازدادت أعمال العنف والتحرّكات بصورة مطّردة بين العامَين 2012 و2013. وقد أثارت الاعتداءات على المدنيين الاهتمام الدولي وغضب قوى المعارضة في تونس. بيد أن الحكومة بقيادة النهضة رفضت علناً ضرب المجموعات السلفية خوفاً من أن يؤدّي القمع إلى جنوحهم أكثر نحو التشدّد. وقد استمرّ الغنوشي في التمسّك بهذا الموقف حتى في أعقاب أعمال العنف، وعلى الرغم من كلفته السياسية. (36)

لم تكن حركة النهضة على قلب رجل واحد في موقفها من التيار السلفي الجهادي. قطاع أقلي لكنه مؤثر داخل الحركة كان يريد القطيعة مع الجهاديين، لأنهم أصبحوا يشكلون عقبة حقيقة أمام بقاء الحركة في السلطة. فيما ذهب الأغلبية إلى مواصلة العمل بسياسة مد اليد إلى السلفيين، مشككة في رواية المؤسسة الأمنية، التي وإن كانت تقاد من خلال وزير نهضاوي فإنها «مازالت غير مؤتمنة الجانب»، ولم يتم تطهيرها بشكل جذري. كانت الأغلبية في المكتب التنفيذي ومجلس الشورى، تعتبر أن ما حصل ويحصل في الشارع من طرف شباب التيار السلفي الجهادي، ليس من تدبير هذا الشباب، بل «تحركه مراكز قوى داخل النظام لم تسقط بعد، داخل الأجهزة الأمنية، ومن خلال بعض رجال الأعمال، وقى من المعارضة تعتبر امتداداً للنظام السابق».

افترضت النهضة بصورة متفائلة أن الدمج في عملية سياسية مفتوحة يدفع حكماً بالسلفيين في تونس إلى سلوك طريق الاعتدال. بيد أن الدراسات الحديثة أظهرت أن العوامل التي تؤثّر في التيارات المتشدّدة وتدفعها نحو الاعتدال، متنوّعة ومعقّدة ومرتبطة بالسياق والظروف: فمن الخطأ إقامة رابط جازم وأكيد بين المشاركة السياسية والاعتدال. وقد أخطأت النهضة في تقدير مفعول العملية السياسية المفتوحة واستعداد السلفيين للانخراط فيها. (37)

كما اعتقدت بأن مسار التيار السلفي سيكون مماثلاً لما مرت به من محطات تاريخية في علاقة بالدولة والمجتمع، الأمر الذي جعل راشد الغنوشي، يصرح لجريدة الخبر الجزائرية في فيفري 2012 بأن «السلفيين يذكرونني بشبابي». وهذا الاعتقاد أدى إلى سلوك سياسات خاطئة في التعامل مع الظاهرة. فرغبة قادة النهضة في أن يروا في السلفيين انعكاساً لهم مع نفحة أكثر شبابية وحماسة، جعل عدداً كبيراً من أعضاء النهضة يتغاضى عن الاختلافات المهمّة التي تميّز الشباب عن الجيل الأكبر سنّاً الممثَّل بقيادة الحزب. فالنزعة الجديدة في التيار السلفي أكثر شباباً وتشدّداً من قياديي النهضة المنفيين، وأشدّ تأثراً منهم بالجهاد الدولي، وذلك انطلاقاً من تأثّرها بالمقاتلين الأجانب العائدين من العراق وأفغانستان. (38)

خلال تلك الفترة (النصف الأول من العام 2012) كثفت قيادة حركة النهضة من اللقاءات السرية مع قادة التيار السلفي، بفروعه الثلاثة. كان راشد الغنوشي يحاول إقناعهم بسياسة التدرج التي يتبعها في تمكين حركته ومن خلفها تيار إسلامي واسع، هم من بينه. يقول الغنوشي في هذا السياق متحدثاً عن تلك الفترة: «حاولنا الحوارَ مع هؤلاء السلفيين (...) وكان الهدف من ذلك محاولة توعيتهم وإقناعهم بأهمية موازين القوى، ونهْيهم عن مواجهة الدولة، بوصفها الأقوى، وعليهم أن يتواضعوا، لأنّهم كانوا مصابين بغرورٍ واضح». (39)

وخلال إحدى هذه الاجتماعات، غير المعلنة، قال الغنوشي لعدد من قادة التيار السلفي: «لم يكن أحد من العلمانيين يتصور أن الإسلاميين سيصلون يوما إلى السلطة… لقد ظلّ الباجي قائد السبسي يطمئنهم ويؤكّد طيلة سنة أن الإسلاميين لن يتحصّلوا على أكثر من نسبة 20 بالمائة وهو ما لن يتيح لنا سوى بعض الوزارات الهامشية. لكن المفاجأة الكبيرة أن النهضة وصلت إلى السلطة رغم القانون الانتخابي الجائر، وأصبح من غير الممكن إقصاؤها بل أصبحت هي التي تدير السلطة، وهذه لم تكن منتظرة لا من الشرق ولا من الغرب. النهضة خرجت من تحت الركام وفي ظرف سنة واحدة لملمت شتاتها وكما قلتم الشعب يريد هذا الدين. والآن صحيح أن هذه الفئات العلمانية لا تحكم لكن الإعلام بيد من؟ الإعلام بيدهم والاقتصاد بيدهم والإدارة التونسية، صحيح نحن موجودون فوق (يقصد على رأس هذه الإدارة) لكن مازالت حتى الآن، بيد النظام السابق بداية من العمد. الجيش غير مضمون، الجيش بيدهم. والشرطة غير مضمونة: هل تتصورون أن ما قامت به الشرطة قد أذن به عليّ لعريّض فعلاً؟ لا لم يأذن هذه سلسلة النظام السابق موجودة. يا إخواني لا يغرنكم العدد إن كنتم خرجتم ألفين أو ثلاثة آلاف أو 10 ألاف أو حتى عشرين ألف، فأركان الدولة ومفاصل الدولة مازالت بأيديهم. توخوا حذركم حتى تسيطروا عليها… الآن ليس لدينا جامع لدينا وزارة الشؤون الدينية. وليس لدينا دكان لدينا السوق كله (…) أنا أقول للشباب السلفي: لماذا أنتم مستعجلون؟ لماذا لا تأخذون ما يكفي من الوقت حتى تهضموا هذه الأشياء التي اكتسبتموها؟؟ هل تظنون أن ما تحقّق لكم غير قابل للتراجع عنه؟». لكن هذا الاجتماع، الذي عقد في شهر مارس 2012، ما لبث أن تم تسريب فحواه في فيديو على شبكة الإنترنت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، ليثير في حينه جدلاً واسعاً. (40)

كان الغنوشي مدركاً جدياً لمسألة اختلال موازين القوى لفائدة القوى المعارضة للإسلاميين في تونس، حتى وإن حاز الإسلاميون أغلبية انتخابية. ويشير هنا بالقول: «لا الوضع الإقليمي ولا الدولي يسمحان اليوم للإسلاميين بأن ينفردوا بالسلطة. والوضع الداخلي يساعد في ذلك؛ ذلك أنّ النخبة التونسية -على نحو عامّ -ليست مع الإسلاميين، بقطع النظر إن كانت محقة في موقفها أو لا. كنت دائما أقول لإخواني: لا يمكنكم أن تحكموا مجتمعا رغمً عن نخبته، إلا في حالة واحدة، وهي أن تمارسوا حجمً هائلا من العنف، وهذا من شأنه أن يشوّه المشروع الإسلامي ويقضي عليه. عرّف موريس دوفرجيه الديمقراطية بأنّها "فيفتي فيفتي"، نصف مقابل نصف، يعني نصفها جماهير، أي حكم الشعب، ونصفها الآخر حكم النخبة. هناك تفويض، وهناك نخبة، 50 % حكم الشعب، و50% حكم النخبة. ولذلك، هو يعرّفها بأنّها حكم النخبة باسم الجماهير». (41)

ومع ذلك، فحركة النهضة لم تكن بتلك الدرجة من السذاجة أو زيف الوعي. كانت الحركة تقدم العنف السلفي كدليل إضافي على وسطيتها واعتدالها في الخارج والداخل، وكانت تريد القول ضمنياً بأن البديل عن وجود أحزاب إسلامية سياسية معتدلة ليس سواء الطوفان السلفي الجهادي القاتل. والحقيقة أن هذه السردية كانت تلقى قبولاً في الخارج لدى القوى الدولية وخاصة لدى إدارة الرئيس الأمريكي بارك أوباما. فيما كانت قوى المعارضة العلمانية محلياً مشككةً في هذا الفصل بين النهضة والسلفيين، معتبرةً أن لديهم الهدف ذاته في أسلمة الدولة والمجتمع، وإنما اختلافهم في الدرجة والخطاب.

كانت السياسية النهضاوية في مد اليد إلى السلفيين ومحاولة جرهم إلى مربع السياسية تتهاوي يوماً فأخر أمام ما يجري في الشوارع والميادين. لم تكن تونس خلال تلك الفترة (أكتوبر 2011 – سبتمبر 2012) تستفيق يوماً دون أن تسجل حادثة هنا أو هناك من صنع الشباب السلفي الجهادي، كما تحولت المساجد إلى منابر للتحريض على الكراهية والقتل والعنف وتصاعدت نذر الحرب، حتى وصلنا إلى صباح 14سبتمبر 2012، عندما بلغت نيران التيار الجهادي سفارة الولايات المتحدة الأمريكية.

*الفصل الثاني من كتاب أحمد نظيف «عشر ساعات هزت تونس: حريق السفارة الأمريكية ونتائجه» – دار ديار للنشر، تونس 2019.

الهوامش

(1) -راشد الغنوشي-رئيس حركة النهضة، مقابلة تلفزيونية على قناة الحوار في لندن – تاريخ البث 14 جويلية 2010 – برنامج "بوضوح" – تقديم صالح الأزرق.

(2) -أنظر: أحمد نظيف -سنوات الشتات: تونسيون في شبكات الإرهاب (1979 – 2010) – دراسة نشرت في كتاب مشترك – الإرهاب والتهريب في تونس: دراسات في الوضعية الراهنة – إشراف وتقديم، الدكتور عميره علية الصغير – المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر – جامعة منوبة – تونس 2017.

(3) -أنظر: أحمد نظيف – المجموعة الأمنية: الجهاز الخاص للحركة الإسلامية في تونس وانقلاب 1987 – منشورات دار ديار للنشر، تونس 2017 – ومنصف بن سالم -سنوات الجمر: شهادات حية عن الاضطهاد الفكري واستهداف الإسلام في تونس – بدون دار نشر – 2013.

(4) -في مقالة له منشورة ضمن كتاب "الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي" -منشورات مركز دراسات الوحدة العربية – ط 5، بيروت 2004 – ص 300-يشرح راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، بأكثر تفصيل ومن موقع المعايش، الخليط الفكري الذي كان موجوداً داخل الحركة الإسلامية التونسية.

(5) -راشد الغنوشي – من تجربة الحركة الإسلامية في تونس – ص 82 -المركز المغاربي للبحوث والترجمة، الطبعة الأولى – لندن 2000.

(6) -تيار ديني -سياسي سعودي ظهر أواخر الثمانينيات سحب البساط من تحت أقدام المؤسسة التقليدية وقدم خطابا مختلفا تماما، من أبرز رموزه سلمان العودة وعائض وعوض القرني، عارض وجود القوات الأجنبية في السعودية، وتصادم مع السلطة السياسية والدينية قبل أن يراجع أفكاره.  تشكل "تيار الصحوة" في السعودية في عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود (1921ـ 2005)، لكنه تبلور بشكل واضح خلال دخول القوات الأجنبية إلى الجزيرة العربية، حيث نشب صراع بين هذا التيار والسلطة الحاكمة، نتج عنه اعتقال عدد من رموز هذا التيار وإيداعهم السجن لسنوات.

 (7) -أحمد بن مجمد الأزرق ولد في 12 جويلية سنة 1927 بمدينة المكنين في الساحل التونسي. أسس مع محي الدين القليبي حركة البعث الإسلامي 1974. انخرط في المعارضة اليوسفية وعاش في ليبيا خلال فترة الخمسينات. عمل تاجراً وصحافياً. سافر إلى السعودية في بداية الثمانينات وعمل في رابطة العالم الإسلامي منسقا للملف الأفغاني. حكم عليه بالإعدام في العام 1984 في تونس وتم تسليمه من طرف السلطات السعودية في العام 1986، حيث أعلنت السلطات التونسية تنفيذ حكم الإعدام فيه، لكن عائلته مازالت مصرة على أنه لم يعد في 1986 وقد أعيد إثارة قضيته في أعقاب سقوط نظام بن علي – فيما عرف بقضية "شيخ شارنيكول"، لكن حكومة حركة النهضة أعادت تأكيد ما أعلنته السلطات الرسمية سابقاً حول مقتله.

(8) -نشر الأزرق في مجلة المعرفة (العدد الثالث والخامس من السنة الخامسة. فيفري ماي) مقالاً تاريخياً حول أول تنظيم إسلامي نشأ في تونس، وكان هو أحد مؤسسيه بقيادة محي الدين القليبي سنة 1947، وأطلق عليه اسم "حركة البعث الإسلامي بالمغرب الإسلامي. وقد أعادت حركة النهضة نشر المقالة كاملةً في العام 2005 على موقع الرسمي وذيلتها بتعريف للشيخ أحمد الأزرق هذا نصه: "الشيخ الشهيد أحمد لزرق من رواد العمل الوطني والإسلامي بتونس تصدى مجاهداً ضد الاستعمار الفرنسي وتصدى للدكتاتورية البورقيبية في عنفوانها وقد استغل بورقيبة علاقة قرابة للشيخ بأحد عناصر مجموعة الجهاد الإسلامي التي حوكمت في تونس في أوائل الثمانينيات ليصدر عليه حكما بالإعدام. وبعد أن وعد السلطات السعودية بعدم تنفيذ الحكم ما أدى إلى تسليمها للشيخ قام الطاغية بإعدامه بعد 11 ساعة من نزوله من الطائرة مقيدا."

(9) -ناصر الورفلي -حديث لبرنامج "صناعة الموت" على قناة "العربية" – الجمعة 4 جانفي/ يناير 2013.» أنظر: أحمد نظيف: بنادق سائحة، تونسيون في شبكات الجهاد العالمي – المعهد التونسي للعلاقات الدولية – 2016.

(10) -هو تنظيم وتيار أسس وأنشأ في السعودية. ويعد اليوم من أوسع التيارات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي. مؤسسه الشيخ محمد سرور زين العابدين سوري من حوران كان من الإخوان المسلمين وانشق عنهم. كان مدرسا في سوريا، ثم تعاقد مع المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود حيث عمل في الأحساء والقصيم فدرس في المعهد العلمي ببريدة وعرف عنه نشاطه وتطلّعه. السرورية رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور وهو ما يجعل بعض القضايا الفكرية التي تعتمد عليها تيارات السلفية محسومة لديها وبعضها الآخر قابل للنقاش كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ومفهوم الدولة والحاكم والمحكوم وغيرها. وتشهد السرورية في الآونة الأخيرة تراجعاً داخل السعودية نظراً لأن بعض تلامذة سرور مثل عائض القرني قاموا الآن بتغيير لأفكارهم. أنظر: خالد المشوح، التيارات الدينية في السعودية، مؤسسة الانتشار العربي – 2011.

(11) -كشف راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، عن تاريخ تأسيس الجبهة في تصريح أدلى به لـمجلة «لبوان» Le Point الفرنسية «إنها تأسست سنة 1986 وهي تتهمنا بأننا ضد العنف».

 (12) -ولد حراث في العام 1964، وفي العام 1990 غادر تونس هرباً من حملة المداهمات والاعتقالات التي طالت رموز التيار الإسلامي بمختلف فصائله آنذاك إلى الجزائر ثم سافر إلى باكستان ومنها إلى يوغسلافيا وألمانيا قبل أن يستقر به المقام في العاصمة البريطانية بعد أن هرب معه نحو 200 من قيادات الجبهة الإسلامية معظمهم موجودون في الدول الأوربية. وكان حراث قد بدأ حياته الدراسية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ليعود سنة 1987 ويقع اعتقاله في شهر مارس بتهمة التدرب على السلاح في إيران بنية تغيير أمن الدولة، ولكن انقلاب بن علي في العام 1987أدى إلى حفظ القضية من طرف القاضي لعدم كفاية الأدلة. وفي سنة 1989 أعيد اعتقاله من قبل أمن الدولة بتهمة إيواء الليبيين الفارين من السلطات الليبية، بينهم القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، خالد الشريف، وكذلك عبد الحكيم بلحاج زعيم الجماعة المقاتلة سابقاً، والذين كانوا في طريقهم إلى أفغانستان. لاحقاً، استقر حراث في لندن، كلاجئ سياسي، فيها أشرف على الإدارة التنفيذية لقناة «إسلام شانل».  أنظر: أحمد نظيف: بنادق سائحة، تونسيون في شبكات الجهاد العالمي – المعهد التونسي للعلاقات الدولية – 2016.

(13) -ولد في تونس العام 1956 وغادرها سنة 1990 إلى أفغانستان للالتحاق بالجهاد الأفغاني. في عام 1995 أدانته محكمة عسكرية تونسية غيابياً بالانتماء إلى منظمة إرهابية تعمل خارج البلاد بعد إفادة قدمها إلى الشرطة أحد المتهمين التسعة عشر في قضية للجبهة عام 1993 والتي أكد فيها أن الحاجي كان يتولى مركزاً قيادياً في الجبهة الإسلامية وذلك أثناء وجوده في باكستان. استقر في بيشاور حتى العام 2002 مشتغلاً بالتجارة، عندما اعتقل من قبل الأمن الباكستاني في بيشاور والذي سلمه للولايات المتحدة الأمريكية ليتم إيداعه بمعتقل غوانتنامو حيث قضى خمس سنوات وفي 18 جوان 2007 تم ترحيله إلى تونس. مثل أمام المحكمة العسكرية في باب سعدون بالعاصمة والتي وجهت له تهمة وضع النفس على ذمة منظمة إرهابية زمن السلم وفقاً لقانون الإجراءات والعقوبات العسكرية وقد سبق لهذه المحكمة أن أصدرت عليه حكماً غيابياً بالسجن ثماني سنوات من أجل التهمة نفسها.  أنظر: أحمد نظيف: بنادق سائحة، تونسيون في شبكات الجهاد العالمي – المعهد التونسي للعلاقات الدولية – 2016.

(14) -كشف رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، في تصريحات لمجلة «لبوان» Le Point الفرنسية ضلوع إسلاميين تونسيين من الجبهة الإسلامية في العملية. رسالة من القيادي في حركة النهضة سابقاً، محمد العماري، إلى راشد الغنوشي، مؤرخة في 8 أوت / أغسطس 1995. أرشيف "المعهد التونسي للعلاقات الدولية".

(15) -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

(16) -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

(17) -الشيخ راشد الغنوشي – رسالة إلى أبناء الصحوة الإسلامية – الموقع الشخصي لراشد الغنوشي – 2005.

(18) -وفقاً لأدبيات التيار الجهادي المعاصر فإن الطائفة الممتنعة هي التي تمتنع عن إقامة شيء من شعائر الإسلام الظاهرة ولها شوكة، فلا تلزم بإقامة هذه الشعيرة إلا بالقتال، أما لو امتنع أفراد أو جماعة لا شوكة لها ولم يقاتلوا فلا يقاتلون، بل يلزمون بأمر الشارع. فكل طائفة امتنعت عن شعيرة من شعائر الإسلام الثابتة حتى ولو لم يكن تركها كفراً مثل الأذان فيشرع قتالها عليها وتعتبر في هذه الحالة طائفة ممتنعة عن الشريعة ولو لم يحكم بكفرها. وقد يجتمع وصف الكفر ووصف الطائفة الممتنعة كما إذا كانت الطائفة ممتنعة عن مسالة تركها كفر مثل الصلاة ومثل الحكم بما أنزل الله. ويقول أحمد ابن تيمية : «وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها إذا تكلموا بالشهادتين، وامتنعوا عن الصلاة، والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد للكفار، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله. وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر هل يجوز قتالها على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة والمستفيضة فيقاتل عليها بالاتفاق حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات ويؤدوا الزكاة ويصوموا شهر رمضان ويحجوا البيت ويلتزموا ترك المحرمات: من نكاح الأخوات وأكل الخبائث والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداء بعد بلوغ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بما يقاتلون عليه. فأما إذا بدءوا المسلمين فيتأكد قتالهم كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطرق. وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع.» مجموع الفتاوي (مجلد 28 / ص358) -طبعة مجمع الملك فهد.

(19) -Building Moderate Muslim Networks -RAND Corporation-2007

(20) -أنظر: أحمد نظيف: بنادق سائحة، تونسيون في شبكات الجهاد العالمي – المعهد التونسي للعلاقات الدولية – 2016.

(21) -أثارت نظرية «الحزام الناقل» للتطرّف جدلاً واسعاً بين الباحثين وصنّاع القرار في الغرب، وهذه النظرية خلاصتها أنّ بعض هذه التنظيمات لا يدعم الإرهاب والعنف علناً، ولكنه يروّج لمواقف قريبة جداً من الإرهاب، ويقدّم أحياناً الأسس الفكرية للجماعات الجهادية المسلّحة، لذا يعتقد أنّ هذه الجماعات تمثّل «البوابة» التي توجّه الأفراد نحو دور فكري تكون محصلته، في الغالب وليس دائماً، الجهاد المسلّح. إنّ لهذه النظرية العديد من المؤيدين وعدداً متساوياً من المناوئين، وهي في مقدمة السجالات القائمة حول الإرهاب منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) العام 2001، وتقع ضمن الجدل «الأزلي» الذي يتداول العلاقة بين الأفكار المتطرّفة والنشاطات الإرهابية. (ديار الغرب... الحزام الناقل للتطرف الثلاثاء 2015/01/13 – ميدل است اونلاين). أنظر: مارك لينش -الإخوان المسلمون: منظمة إرهابية أم جدار حماية ضد التطرف العنيف؟ - واشنطن بوست-7/3/2016.

(22) -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

(23) -KEVIN CASEY -A Crumbling Salafi Strategy – SadaJournal -Middle East analysis published by the Carnegie Endowment for International Peace -August 21, 2013

(24) -KEVIN CASEY -A Crumbling Salafi Strategy

(25) – المصدر السابق

(26) –المصدر السابق

(27) – أحمد نظيف – فشل السلفيين في تونس – رصيف22 – 17 مايو/ أيار 2015

 (28) -الخطيب الإدريسي، هو أحد رجال الدين السلفيين المؤثرين في تونس، إن لم يكن الأكثر تأثيراً. وفي عام 1985، ذهب إلى المملكة العربية السعودية وتدرب رسمياً مع بعض علماء الدين السلفيين الأكثر أهمية في العصر الحديث، ومن بينهم عبد العزيز بن عبد الله بن باز. هارون ي. زيلين -تونس: كشف النقاب عن "أنصار الشريعة" – ثينك أفريكا بريس -25 تشرين الأول/أكتوبر 2013 عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.

(29) – محضر استنطاق محمد العوادي – 12 سبتمبر 2013 في قضية الشهيد محمد البراهمي – عن: عن الإرهاب في تونس من خلال الملفات القضائية، ص 78 – 79 – المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – أكتوبر 2016.

(30)  -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

(31) -عملية بئر علي بن خليفة جزء من خطة لإقامة إمارة سلفية في تونس – رفيق بن عبد الله – جريدة الصباح عدد 14 فيفري 2012.

(32) -اعترافات عادل حمد في ملف سلاح مدنين بتاريخ 9 ديسمبر 2013 – عن الإرهاب في تونس من خلال الملفات القضائية، ص64 – 65 – المركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – أكتوبر 2016.

(33) -تونس: العنف والتحدي السلفي – تقرير مجموعة الأزمات الدولية عدد 137 – ص 14، شباط/ فبراير 2013.

(34) -راشد الغنوشي – مقابلة تلفزيونية مع قناة حنبعل المحلية – أفريل 2012

(35) -مقابلة مع العقيد سليم البرناوي – وحدات التدخل للحرس الوطني سابقاً

(36) -KEVIN CASEY -A Crumbling Salafi Strategy – SadaJournal -Middle East analysis published by the Carnegie Endowment for International Peace -August 21, 2013

(38) -المصدر السابق

(39) -المصدر السابق

(40) -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

(41) -اثار هذا التسريب في حينها جدلاً واسعاً. ولكن تضاربت الآراء والمعلومات حول تاريخ تسجيله. فقد قال زبير الشهودي مدير مكتب الشّيخ راشد الغنوشي وعضو مجلس الشّورى، في تصريح لموقع "جدل" بتاريخ 10 أكتوبر 2012 بأن المقطع “يعود لاجتماع مع مجموعة من الدّعاة وقيادات التيّار السّلفي في شهر مارس 2012، وقد دار جزء من الحديث حول قراءة موضوعية لواقع مؤسّسات الدّولة.'' وقد أصدر المكتب السياسي لحركة النهضة بيانا توضيحيّا على خلفيّة تداول هذا الفيديو، جاء فيه” الفيديو تضمّن فقرات مركبة ومتقطعة من كلام رئيس حركة النهضة”. ولفت البيان الانتباه إلى أنّ اللقاء يتعلق بمداخلة للغنوشي أمام مجموعة من الشباب السلفي تعود لشهر فيفري 2012 حول الفصل الأول من الدستور، وتركّز على محاولة اقناعهم وتبصيرهم بالتحديات، وتجنيبهم محاولة السّقوط في استقطاب وتقسيم المجتمع”. في المقابل أفاد مصدر إعلامي مقرب من حركة النهضة، لموقع جدل بتاريخ 10 أكتوبر 2012، أنّ الاجتماع الذي عقد بعيد أحداث السفارة الأمريكية مع قادة التيار السّلفي، في إطار صفقة تهدئة. ومن أبرز هذه التّفاصيل مشاركة نور الدين الخادمي في هذه المشاورات، وكان من شروطها التهدئة مقابل منح المجموعات السلفية جزءا من المساجد. وأكّد ذات المصدر أنّه من بين الأشخاص التّسعة الحاضرين في هذا الاجتماع رجل الأعمال السّلفي محمد بوناصر المحسوب على جبهة الإصلاح.''

(42) -راشد الغنوشي – تونس من الثورة إلى الدستور – حوار أجراه معه صلاح الدين الجورشي – مجلة سياسات عربية – العدد 18 – كانون الثاني/ يناير 2016.

وسوم
شارك :

اترك تعليق

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.