تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحسبة النسائية: أداة في خدمة «تنظيم الدولة الإسلامية»

82
0
شارك :

آمال قرامي

اختلف ''العلماء" في حكم ولاية المرأة شؤون الحسبة في الأسواق فذهب فريق إلى أنّ الإمامة الكبرى والصغرى والقضاء وسائر الولايات مناصب يختصّ بها الرجال لأنّهم المكلّفون بالقوامة والتأديب، ولا يجوز أن تكون المرأة محتسبة حتى لا تكون قوّامة على الرجال و "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة''. ثمّ إنّ النساء مأمورات بأن يقرن في بيوتهنّ ولا يختلطن بالرجال. وفي المقابل رأى فريق آخر أنّ الذكورة لا تشترط في الحسبة وأنّ النساء مكلّفات بالدعوة والأمر بالمعروف. فقد كانت "سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي -صلى الله عليه وسلم -عليها درع غليظ وخمار بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر"، وكان "عمر بن الخطّاب قد ولّى "الشفاء" على الحسبة. وفرّق آخرون بين الحسبة التطوعية التي يستحسن أن تمارسها المرأة، وولاية الحسبة التي تمنع من النهوض بها لأنّها من اختصاص الرجال.

المحتسبة أو التمكين ''الدينيّ''

وانطلاقا من هذه المرجعيّة كان على قيادي "دولة الخلافة" أن يختاروا الموقف الذي يتلاءم مع السياق السياسي-الاجتماعي والمشروع الذي وعدوا أتباعهم بتأسيسهم، وهو إقامة الخلافة وإحياء مؤسساتها، ومن بينها مؤسسة الحسبة. وعلى هذا الأساس وزّعوا الحسبة على أساس الجنس فكان الذكور يشرفون على ولاية الحسبة وتطبيق الشريعة، وكانت المنتميات إلى الفرع النسائيّ للحسبة يكلّفن بمراقبة مدى خضوع النساء للأحكام.

ولم يكن استحداث الحسبة النسائية لغرض التماهي مع 'الدولة الإسلامية الحقيقية" مثلما يزعم القادة بل كان استحداثا لجهاز لم يكن موجودا أصلا في مجتمع الدعوة إذ أنّ "أسماء" و "الشفاء" مثّلتا استثناء. وما اللجوء إلى 'الحسبة النسائية' إلاّ ضرورة فرضها الواقع إذ تنكّر عدد من الجنود السوريين في "العبايا السود" لزعزعة الأعداء. فكان أفضل حلّ هو قيام النساء المكلفات بالحسبة بتفتيش النساء الوافدات ومراقبتهن. وتمثّل الهدف الثاني في الاستعانة بالنساء لإرساء النظام الاجتماعي المنشود الذي يضمن طاعة النساء للرجال، وتنفيذ أوامرهم.

  وبما أنّ الدعاية الموجهة للنساء كانت قائمة على التعريف بالنظام الاجتماعي الأمثل للمرأة المسلمة وسبل تمكينها فقد كان تكليف اللاتي قبلن بالعيش في "دولة الخلافة" بالنهوض بعدّة أدوار تتلاءم مع مؤهلاتهنّ وطباعهنّ كتعليم الأطفال والنساء الوافدات من دول غربية وجمع التبرعات وغيرها أمرا مرسّخا لفكرة التمكين يكفي أن تهاجر الواحد إلى أرض الخلافة لتقوم بدور هامّ. وهكذا كان العمل في كتيبة الخنساء المعنيّة بمراقبة سلوك النساء ومظهرهنّ من أهمّ الأدوار التي اسندت إلى عدد من النساء في الرقّة نذكر على سبيل المثال: البريطانية -الباكستانية شميمة بوغوم، وغيرها.

إنّ ما يسترعي الانتباه في دور المحتسبات أو المنتميات إلى "شرطة الأخلاق" هو إيمانهن بضرورة مراقبة النساء في الفضاءين الخاص والعام، وعملهنّ على ترسيخ النظام الجندري القائم على الفصل بين الجنسين وضبط الحدود بينهما، ونشر القيم الدينية والأخلاقية وفق التصوّر الذي نشره زعماء التنظيم. وتعتقد المحتسبات أنّهن أكثر فهما للدين من الأخريات، وهو ما يجعلهنّ صاحبات امتيازات وذوات سلطة تسمح لهنّ بالتسلّط على الأخريات إذ يجوز لهنّ تأديب المتمردات ومحاكماتهنّ، ومعاقبتهنّ ... وتكشف السرديات التي صيغت حول المحتسبات أنّ هؤلاء كنّ أشدّ قسوة من بقية النساء وقد ارتكبن فضائع كثيرة وكنّ يتقاضين أموالا على العمل الذي يقمن به وأحيانا يقبلن الرشوة.   

صورة المحتسبة بعد سقوط تنظيم الدولة

ليس غريبا أن تتحوّل المرأة إلى أداة في خدمة المجتمع الذكوريّ تحرس قيمه وتنفّذ أوامره، وتحفظ النظام. وليس غريبا أيضا أن تتماهى بعض النسوة مع الشخصيات الذكورية فتمارس الواحدة منهنّ أشكالا من العنف على من تعتبرهنّ "متمرّدات" على النظام. ومن هذا المنطلق لا تعدّ أفعال النساء المنضويات تحت كتيبة الخنساء مستهجنة في المجتمعات البطريكية التي اعتادت تكليف الأمهات والحموات وفئة من الجاريات بمراقبة الشابات والكهلات والتواطؤ مع الرجال من أجل تأديب غير المنضبطات للسلوك المعياريّ للمرأة المسلمة. ولكن ما يعتبر صادما للضمير الإنساني هو أن تكون المرأة مستمتعة بحفلات التعذيب، مبتكرة لأدوات وأشكال متنوعّة للتنكيل بالأخريات.

وما إن سقط تنظيم دولة الخلافة وفرّت النساء حتى بدأ عدد من الصحفيين والباحثات والأمنيين في محاورة اللواتي ألقى عليهنّ القبض أو عرفت هوياتهنّ فأدلين بشهاداتهنّ. فشميمة التي طالبت الحكومة البريطانية بتسهيل إجراءات عودتها مع ابنيها أكدّت أنّها لم تكن عنصرا فاعلا في تنظيم الدولة ولكن شهادات عدد من الفتيات والنساء أثبتت أنّ "شميمة'' كانت تتجوّل حاملةً كلاشينكوف على كتفها، وتتشدّد في تأديب النساء حتى أنّها لقّبت بـ "الشرطية القاسية" التي تحاول فرض قوانين التنظيم بكلّ حزم. ولم تكن "شميمة" أو "عروس داعش" مجرّد زوجة مقاتل وأمّ أولاده مثلما تزعم بل إنّها كانت تمارس أفعالا وحشيّة، وتتشفّى من الأخريات.

أمّا الألمانية "جنيفر" فقد انضمّت إلى تنظيم دولة الخلافة منذ 2014 وكانت ناشطة في الفرع النسائي للحسبة في الموصل والفلوجة وكانت تحمل رشاشا ومسدسا وحزاما ناسفا أثناء قيامها بمهامها مثبتة بذلك أنّها لم تمارس "الأمر بالمعروف" وإنّما ترويع النساء. وجاء في شهادات بعض العائدات أنّ "جينفر" لم تحرّك ساكنا حين عذّب زوجها ابنة السبيّة الأيزيدية التي كانت تحت تصرّفهما وتركها تموت عطشا، ولذلك ستحاكم 'جنيفر' قريبا في ألمانيا وتعاقب على الجرائم التي اركبتها.

تتضافر اليوم شهادات العائدين والمرحّلين والمساجين والسجينات لتكوّن رصيدا هامّا يساعدنا على فهم بعض ما كان يجري في 'دولة الخلافة' وتفكيك مختلف البنى. ويقودنا إخضاع هذه الشهادات للتمحيص إلى مجموعة من الملاحظات أوّلها :أنّ المحتسبات لم يكنّ في خدمة  الدين بل في خدمة "دولة" ذات أجندا سياسية توسعيّة وكنّ أحيانا في خدمة مصالحهنّ الذاتية، وثانيهما أنّ من المحتسبات من حقّقن امتيازات (سيارة فخمة، أموال وجاه، وتحّرر من الضوابط كوجود المحرم...)ومارسن أصنافا من العنف على بقية النساء في مناخ كان فيه العنف سيّد الميدان فكنّ بذلك مدخلنات لقيم المجتمع البطريكي، ولنمط "الرجولة المهيمنة" التي تبطش بالآخرين، وثالثها أنّ المحتسبات  أربكن الصور النمطية التي كانت تقرن المرأة بالطبيعة والسلم والرقة  فإذا بنا إزاء نساء 'متوحّشات' يكتسبن سلطة من خلال الآخر.أمّا الملاحظة الرابعة فتكمن في ارتباط  الحسبة النسائية بالمصالح الاقتصادية. فتأديب النساء بتعلّة عدم تقيدهن باللباس الشرعيّ لا غاية له سوى إجبارهنّ على تغيير الأزياء وشراء النموذج الذي تشرف الدولة على ترويجه، ومن ثمّة تنشيط التجارة وتحقيق الكسب هذا علاوة على دفع معلوم محدّد للمخالفات فكلّما بطشت المحتسبات بالنساء زوّدن دخل الدولة. وتتمثّل الملاحظة الخامسة في تكليف عدد من القيادات في أجهزة الحسبة بتوفير النساء للمقاتلين واستقطابهنّ فوراء مراقبة النساء رصد وتصنيف ووساطة.

ويلوح من خلال الشهادات أنّ المكلّفات بمراقبة النساء ومعاقبتهن قد كنّ محتسبات الدولة في الظاهر، ولكنّهنّ مستمتعات بالحياة في الباطن، ويظهر أيضا أنّ التي كانت تضرب بالسوط امرأة لأنّها 'تبرّجت' بانتعال حذاء ملوّن كانت هي نفسها، تضع المساحيق وتشرب النرجيلة وتدخّن وتستمع إلى الموسيقى وترقص وتلبس ما يحلو لها.... وأنّ التي كانت تستعمل العضاضة لتضغط على ثدي امرأة بطريقة وحشيّة كانت هي نفسها، من قضّت حياتها في بيوت "الدعارة" تتجرّع كأس القهر فإذا بها بعد ذلك تغالي في الانتقام من الأخريات...

نساء الحسبة لا يأمرن النساء بالالتزام بالقيم الدينية وتطبيق "شرع الله" بالمعروف مثلما يزعمن بل هنّ نساء في خدمة 'التنظيم' لا يتوانين عن استغلال الدين لتحقيق أغراض دنيوية والتلاعب بمصائر الأخريات في سبيل الاستمتاع بالامتيازات.

وسوم
شارك :

اترك تعليق

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.