تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

«أكتوبر1985»: كيف كسب الباجي قائد السبسي معركته ضد «نتنياهو» في مجلس الأمن؟

1658
0
شارك :

صواب

رحل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، بعد أكثر من ستين عاماً من العمل في الشأن العام، مناضلاً ووزيراً ورئيساً وكاتباً. وخلال هذه العقود الست، عاش الرجل تواريخ فاصلة في تاريخ البلاد وفي مسيرته الشخصية، وخاض معارك، انهم في بعضها وكسب بعضها الأخر. ولعل الثاني من أكتوبر 1985، سيبقى أحد الأيام الفارقة في مسيرة قائد السبسي.

                                               ***

صباح الأول من أكتوبر 1985، فرغت الطائرات الإسرائيلية من إلقاء حمولتها المتفجرة على المربع الأمنيّ في حمام الشطّ، الذي يضمّ مكاتب "منظمة التحرير الفلسطينية" وبيت قائدها أبو عمار، ثم تبخرت وسط الدخان الكثيف، مخلفةً وراءها خمسين شهيداً فلسطينياً وثمانية عشر شهيداً تونسياً ومئة جريح، إلى جانب خسائر مادية قدرت يومذاك بحولي 8.5 ملايين دولار. اعتقد طياروها أنهم قد أصابوا هدفهم الرئيسي في مقتل وطمروا، نهائياً وإلى الأبد، قيادة الثورة الفلسطينية.

خلال الساعات التالية للهجوم، بدأت ردود الفعل السياسية، عربياً وعالمياً، تصدر تباعاً. الرئيس الأميركي رونالد ريغان أصدر بياناً قال فيه: "الغارة كانت دفاعاً مشروعاً عن النفس، وإني على ثقة دائمة في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية". فاستدعى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة السفير الأميركي في تونس، طالباً منه نقل احتجاج السلطات التونسية على الخرق الإسرائيلي، متهماً الولايات المتحدة بعلمها المُسبق بالتخطيط الإسرائيلي. كان بورقيبة غاضباً جداً، حتى أنه اتصل بوزير خارجيته يومذاك، الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي في نيويورك، والذي كان يحضر اجتماعات جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأعلمه بنيته قطع العلاقات مع واشنطن لو استخدمت حق الفيتو في مجلس الأمن في مواجهة قرار يدين إسرائيل. ردت واشنطن على ذلك بتسليم السفير التونسي نجيب البوزيري مذكرةً أشارت فيها إلى عملية يخت ميناء لارنكا، التي اعتبرتها هجوماً إرهابياً فلسطينياً واجهته إسرائيل بردّ جوّي على حمام الشطّ، لكن السفير التونسي رفض تسلّمها.

في مذكراته، يروي الباجي قائد السبسي حيثيات الصراع الديبلوماسي في أروقة مجلس الأمن في أعقاب الهجوم، قائلاً: "كان الشيء الأساسي بالنسبة إلينا هو الحصول على قرار يدين صراحة الاعتداء، وكان هامش المناورة ضيقاً للغاية بين هذا الهدف والحدّ الذي يسمح به الوفد الأميركي. وكانت صياغة مشروع القرار محل نقاشات بين ست دول أعضاء في المجلس من دول عدم الانحياز، مع مشاركة تونسية متواصلة بالإضافة إلى ممثل منظمة التحرير الفلسطينية زهدي التارزي. كانت الصياغة الأولى لمشروع القرار جاهزة صباح يوم 2 أكتوبر منذ انطلاق أشغال المجلس. وكانت الصيغة المعتمدة تدين إسرائيل باعتبارها معتديةً وبسبب ممارستها إرهاب الدولة".

حاولت واشنطن الدخول في محادثات فردية مع الجانب التونسي حول صياغة مشروع القرار عن طريق مندوبها في مجلس الأمن آنذاك فيرنون والتزر، الذي توعد برفع الفيتو في وجه المشروع بصيغته الحالية المتضمنة لكلمة "إرهاب الدولة"، ليتم تأجيل جلسة التصويت إلى يوم 4 أكتوبر.

عن هذا التفصيل، يروي قائد السبسي في مذكراته التي نُشرت تحت عنوان "الأهم والمهم": "أعدتُ التفكير في الاعتراضات التي أثارها السفير والترز. ورأيت أنني مطالب بتحقيق نتائج، لا بالتشبث بمجرد مصطلحات. وإذا كان الفيتو الأميركي مرهوناً بمجرّد تحوير شكليّ، فإن إدانة إسرائيل تمكن إعادة صياغتها. أخذت على عاتقي مسؤولية تعديل نصّ مشروع القرار في نقطتين: فبدلاً من عبارة "ندين إسرائيل" وضعت "ندين العمل العدواني المسلح الذي ارتكبته إسرائيل"، وحذفت من جهة أخرى عبارة "إرهاب الدولة". لم يكن السيد البوزيري (السفير التونسي) مقتنعاً، فهو يعتقد أن هذه التعديلات كانت تنازلاً لا جدوى من ورائه". لم تعجب التعديلات الجديدة التي حرّرها قائد السبسي ممثل "منظمة التحرير" في الأمم المتحدة، الذي أبدى تحفظات كثيرةً حولها، لكن السبسي اتصل، وفقاً لروايته، بفاروق القدومي الذي كان في نيويورك يومها، وأخذ منه تعليمات لممثله بالالتزام الكامل بقرارات الوفد التونسي.

انطلقت جلسة التصويت في صباح الرابع من أكتوبر، وبحضور القدومي شخصياً، عضواً في الوفد التونسي. وبعد المداولات، التحق السفير الأميركي بالقاعة وكان قد أجرى استشارة هاتفية من ريغان حول نيات التصويت، ونجح في إقناع رئيسه بضرورة الامتناع عن التصويت والتخلي عن استعمال حق النقض، بعد التعديلات التونسية. يقول السبسي: "مرّ القرار 573 (1985) بـ14 صوتاً مقابل صفر، وكانت المفاجأة السيئة من نصيب بنيامين نتنياهو، رئيس الوفد الإسرائيلي، إذ إن تعديل القرار الأميركي في وقت قصير كهذا لم يترك له أية فرصة لشنّ هجوم مضاد. ولما علم في آخر لحظة بتحول موقف وفد الولايات المتحدة، هاجم والترز شخصياً بإمساكه من سترته وهو جالس على مقعد رئاسة مجلس الأمن. لقد استشاط غضباً لما أدرك أنه لم يعد لديه متسع من الوقت للتأثير على واشنطن كي تعود لاستعمال الفيتو. ولو كان القرار الأميركي قد عُدل قبل يومٍ واحد فقط لكانت تدخلات فورية قوية قد بُذلت لدى الرئيس ريغان، وربما أدت إلى العودة لاستعمال حق النقض".

وسوم
شارك :

اترك تعليق

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.