تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أحمد المناعي مُسائِلاً احميدة النيفر: هل بايعت «النهضة» مرشد الإخوان؟

229
0
شارك :

وجه أحمد المناعي، رئيس المعهد التونسي للعلاقات الدولية، والمعارض التونسي البارز، عبر مدونته خطاباً إلى الدكتور احميدة النيفر، الجامعي وأحد القيادات السابقة في الجماعة الإسلامية (1969-1981)، التي تحولت لاحقاً إلى حركة الاتجاه الإسلامي (1981-1988) ثم حركة النهضة (1988)، حول ما يثار دائماً في خصوص علاقة الحركة الإسلامية التونسية التنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين، والجدل الذي لم يهدأ يوماً، حول حقيقة البيعة التي قدمتها الحركة للمرشد العام للإخوان المسلمين في مصر.

يشار إلى أن الدكتور النيفر، قد أقر في أكثر من مناسبة بهذه العلاقة، وبأنه قد وقع تفويضه من طرف رفاقه في الحركة للقيام بمهمة المبايعة. ويتحدث النيفر عن ذلك في مقابلة صحافية نشرت في العام 2014 قائلاً: «أول الاتصالات الرسمية مع الإخوان المسلمين كانت خلال سنة 1974 حين كنت نائبا للأستاذ راشد الغنوشي وجاءتنا دعوة من جماعة الإخوان المسلمين لزيارتهم في مصر. فلما تعذّر على الأستاذ راشد، تمّ ترشيحي للقيام بالزيارة وكنت مصحوبا بالمرحوم محفوظ النحناح من الجزائر وكان المطلوب مني أن أتعرف على حركة الإخوان وأقدّم تقريرا للجماعة عند عودتي. في الحقيقة لم يعجبني ما شاهدت خلال زيارتي وما عاينته لم يكن إيجابيا. كان لنا لقاء مع مجموعة من الإخوان في مقر مجلّة «الدعوة» الناطقة بلسان الإخوان من بينهم المرحوم عمر التلمساني وكان آنذاك رئيس تحريرها وقد استغربت لطبيعة أجوبته عن أسئلة طرحتها عليه تتعلق بتحليل الوضع الداخلي وتقييم الوضع السياسي بمصر والإشكاليات المطروحة وكذلك الوضع الدولي. لم يكن يقدم أجوبة مبنية على مواقف وتحاليل عميقة بل كان يجيب ببساطة مطلقة مكتفيا بسرد ما كان يحفظه من نصوص للشهيد حسن البنا. شعرت من خلال الأجوبة أن المجتمع الذي يعيش فيه الإخوان لم يكن مجتمعهم، هناك نوع من القطيعة والاحتياط والحذر والتوجس من المجتمع بل أكاد أقول الخوف منه. كما شعرت بأن الذين جلست إليهم هم عناصر للتنفيذ وليس للتفكير وهذا أقلقني كثيرا لأنني كنت أريد أن أعرف كيف يفكرون وكيف يقيمون أوضاعهم.  وبعد 4 أو 5 أيام من الزيارة تمت دعوتنا للقاء بالمرشد العام للجماعة فسألتهم من يكون فرفضوا ذكر الاسم وقالوا ستكتشفونه عندما نحملكم إليه فكان أن رفضت الذهاب معهم في حين وافق «محفوظ نحناح» على الذهاب معهم وقال لي بالحرف الواحد «وضعيتنا في الجزائر مختلفة عن وضعيتكم ولابدّ لنا من سند، فالفرنكوفونية قوية ومنتشرة في الجزائر والهيمنة الأجنبية موجودة بشكل كبير ولا يمكن تأسيس حركة إسلامية من دون سند، وإن طلبوا مني البيعة سأبايع» كان في ذهن الإخوان أننا جئنا لمصر للبيعة والتعبير عن ولائنا للتنظيم ولكن الهدف بالنسبة إلى كان مختلفا. وعندما عدت إلى تونس أخبرت الإخوة في الجماعة بما حدث ولم يصدر عنهم أي نقد أو استنكار يذكر وهو ما يؤكد أن مسألة العلاقة بتنظيم الإخوان والولاء لهم لم يكن مطروحا داخل الجماعة في تونس».

لكن الأمور لاحقاً ستأخذ منحى أخر، فبعد مدة قصيرة سيتم التخلص من النيفر ومجموعته الرافضة للإخوان فكراً وتنظيماً، ويبدو أن الحركة ستقدم البيعة للتنظيم الإخواني الأم في القاهرة، ولاحقاً سيتحول راشد الغنوشي إلى مسؤول بارز في التنظيم الدولي، مشرفاً على منطقة المغرب العربي، رفقة اللبناني مصطفى محمد الطحان.

وفي ما يلي نعرض الخطاب الذي وجهه الدكتور المناعي إلى النيفر، ونشره في مدونته الشخصية:

                                                                       ***

حضرة الدكتور احميدة النيفر

السلام عليك وبعد

لا أدري إن كنت تتذكرني، فقد تعارفنا منذ قرابة نصف قرن وإن كنا لم نتواصل كثيرا خلال هذه المدة الطويلة، إذ لا أذكر أننا التقينا أكثر من أربع أو خمس مرّات على أقصى تقدير، كانت جميعها بمحض الصدفة، ومن بينها تلك التي تمّت أمام بريد شارع 9 أفريل بتونس العاصمة، غداة أحداث 26 جانفي 1978، وتلك التي وقعت في أحد محلات بيع لوازم السّفر في شارع ماجنتا، بالدائرة الباريسية التاسعة، في منتصف تسعينات القرن الماضي...وكانت المرة الأخيرة بعد جانفي 2011، غير أنّ هذا لم يمنعني أن أكن لك الاحترام الذي أنت به جدير. وفي هذا الصدد أذكر أنني بعثت لك رسالة تهنئة من المغرب، حيث كنت أعمل، بمناسبة تأسيسك لمجلة "15-21" في بداية ثمانينات القرن الماضي. أمّا اليوم فأكتب لك في موضوع يشغل كثيراً من التونسيين، وهو حقيقة العلاقة بين حركة النهضة التونسية وجماعة الإخوان المسلمين المصرية.

يعرف كلّ الذين واكبوا نشأة الجماعة الإسلامية أو الفرقة الناجية من النار، في أواسط سبعينات القرن الماضي، موقعك منها ويعلمون أيضاً أنك أنت الذي أديت يمين البيعة والولاء للتنظيم الدولي مرتين، نيابة عن حركتك، وقيل إنك اعترفت بذلك في محاكمة حركة الاتجاه الإسلامي بتونس في خريف سنة 1981.

وأذكر أنني سألت المرحوم صالح كركر في باريس سنة 1992، وهو الذي كان رئيس حركة الاتجاه الإسلامي حتى خروجه من تونس خريف 1987، كيف تخرج من البلاد وأنت قائد هذه المغامرة، فصرّح لي أنّ خروجه من تونس في تلك الظروف كان لغاية استشارة جماعة الإخوان   بمصر في موضوع الانقلاب الّذي أعدته المجموعة الأمنيّة التابعة لحركة الاتجاه الإسلامي في بدايات شهر نوفمبر1987.

كما أفادني أحد أعضاء الحركة في منتصف عقد الألفين أنّ القانون الأساسي لحركة الاتجاه الإسلامي، أو النهضة، يتضمن بندا سرياً يُتلى في افتتاح كل مؤتمر يجدد فيه أعضاء الحركة ولاءهم للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. ومنذ سنتين فقط سألت أحد مؤسّسي الحركة، أتحفظ عن ذكر اسمه لأجنبه شظايا أسلحة إخوانه، إن كان تقديم ولاء الجماعة الإسلامية في تونس للجماعة في مصر قد تمّ في سنة 1974 أو 1975 فقال لي: " هو كذلك ..."، دون أن يضيف تفاصيل أخرى.

ومع ذلك يصرّ رئيس الحركة وقادتها على إنكار كلّ علاقة عضوية بالجماعة ويعترفون فقط بعلاقة فكرية ببعض رموزها، وفي ذلك حكم ضمني على هذه الجماعة بأنها لا تستحق الولاء أو حتى الاقتراب منها، ويبرر تصنيفها بالإرهابية من قبل كثير من الدول. ومن المفارقات الغريبة أنّ شخصاً كالسيد مهدي جمعة، رئيس الحكومة الأسبق، الذي لم يعرف بأنَّه مؤرخ أو حتى بأنَّه مهتم بشؤون التيارات السياسية والدينية، قد أدلى بدلوه في هذا الإجماع على الإنكار وصرّح مؤخرا في عمّان: "ليس عندنا إخوان مسلمون في تونس".

وفي المدة الأخيرة، نلاحظ أنّ حركة النهضة قد تخلت عن الكثير من هذه الرموز حيث غيّبت أبا الأعلى المودودي والندوي وسيّد ومحمد قطب من قائمة مرجعياتها الفكرية دون تفسير أو مبرر لذلك. وتم نفس الشيء مع المرحوم مالك بن نبي قبل ذلك بسنوات، عندما تبين أن فكر الرجل هو على نقيض فكر الإخوان منذ وطأت أقدامه أرض مصر في سنة 1954.

ومنذ أكثر من قرن، نشأت تنظيمات دولية، منها ما جمع الدّول مثل الكومنولث والحلف الأطلسي وحلف وارسو ثم رابطة الدول المستقلة ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنها ما جمع الأديان والطوائف من أرثودوكس وبروتستانت وإنجيليين، ومنها ما جمع الحركات الإيديولوجية والأحزاب السياسية من شيوعيين واشتراكيين وقوميين، ومنها ما جمع الأحلاف العسكرية ...

 فما العيب أن ينشأ تنظيم دولي للإخوان المسلمين، وعندنا في تونس منذ سنوات فرع للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يرأسه الدكتور عبد المجيد النجار، الذي أعرفه منذ أربعين سنة، وهو اتحاد معروف منذ نشأته في دبلن بأنه الجناح الخارجي لتنظيم الإخوان؟

وقريبا منا في الزمان والمكان، كان هناك تنظيم دولي للاشتراكيّين (الدولية الاشتراكية) انضمّت إليه عديد الأحزاب والحركات السياسية في كامل أنحاء العالم، كان من بينها حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وحركة الوحدة الشعبية ... وعندما أفل نجم هذه الأخيرة عوّضه حزب التكتل الديمقراطي بقاعدته المتواضعة، وها أنّ هذا التنظيم الدولي ينهار برمّته.

وبخصوص موضوع الرسالة وعلاقة النهضة بالتنظيم الدولي، يبقى لي تفسير منطقي واحد، وهو أنك قدمت الولاء باسمك الخاص، وباسم مجموعتك 15/21 فيما بعد. وفي هذه الحالة فهولا يلزم الجماعة الإسلامية، ومن بعدها حركة الاتجاه الإسلامي وحركة النهضة.

أرجو أن تدلي بشهادتك التاريخية بكل صدق وأمانة، لأن من أسباب الأزمة القاتلة التي يعيشها مجتمعنا غياب الحقيقة، بل طمسها، في حين أن الحقيقة وحدها هي التي يمكنها أن تنجّينا.

مع خالص التقدير 

أحمد المناعي

وسوم
شارك :

اترك تعليق

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.